|
تعاني الخصخصة في الجزائر من بعض البطء،
لكنّ الحكومة تريد أن تسرّع في العام 2001
من وتيرة العمليّة المتوقّع لها أن تكون
أكبر عمليّة بيع للأصول الحكوميّة في
أفريقيا·
يملك السيّد حميد طمّار، المسؤول
الأوّل عن عمليّة الخصخصة في الجزائر،
قناعة راسخة: إن كان لأصول الدّولة أن
تُدار بالطّريقة الصّحيحة، يجب التخلّص
منها.يتبوّأ السيّد طمّار منصب وزير
المساهمة وتنسيق الإصلاحات الاقتصاديّة.في
اللقب بعض الغرابة لأنّه يعني الوزير
المسؤول عن تنسيق برنامج الخصخصة الذي
وضعته الدّولة وتتداوله منذ خمس سنوات،
لكن السيّد طمّار يرى أن اللقب يحمل ميزة
خاصّة.
يقول السيّد طمّار: "لدينا قطاع
عام ضخم، لذلك وضعنا له إطاراً قانونيّاً
محدّداً.في الواقع، لا تملك الدّولة
شركات القطاع العام بالمعنى التّقليدي
للكلمة.فهذه الشّركات في الواقع شركات
عامّة تعمل في إطار قانون التّجارة، على
الرّغم من أن الدّولة تملك 100% من أسهمها.لذلك
تعتبر كلٌّ من هذه الشّركات من النّاحية
التقنيّة شركة مساهمة، ووظيفتي أن أدير
مساهمة الدّولة في هذه الشّركات.لكن
إدارة أسهم الدّولة تعني لي محاولة
التخلّص من هذه الأسهم، إن استطعت،
بطريقة صحيحة ومنظّمة".
في أواخر العام
الماضي، حصلت وزارة المساهمة وتنسيق
الإصلاحات الاقتصاديّة على الصّلاحيّات
اللازمة لتكون وزارة للخصخصة بكلّ ما
للكلمة من معنى ولتبدأ بتنفيذ الإصلاحات
الاقتصاديّة التي أُقِرّت قبل سبعة أشهر.يقول
السيّد طمّار، الذي عُيّن في منصبه أوائل
العام الماضي، إن الوصول إلى هذه المرحلة
دليل على جدّيّة الحكومة إزاء الخصخصة.لقد
باتت لدينا القوانين الأساسيّة اللازمة
للمضي قدماً، لا سيّما قانون الأصول
السّائرة الذي سينظّم العمليّة ويضبط
إدارة القطاع العام، وقانون قروض
الخصخصة، وقانون الاستثمار، ومرسوم
وكالة للخصخصة، ومرسوم وكالة الاستثمار.كل
هذه التشريعات ستحال على البرلمان
لإقرارها".
ويضيف السيّد طمّار، الخبير
الاقتصادي الذي عمل في الأمم المتّحدة
مستشاراً متخصّصاً بالاقتصادات
النّامية، أن الشّركات الحكوميّة، بموجب
التّشريعات الجديدة، لم تعد معروضة
للبيع دفعة واحدة.يقول: "سنختار كلّ
مرّة بضع شركات ونطلب من الحكومة مجتمعة
السّلطة لعرض الشّركات المختارة للبيع،
وما أن تصدر الموافقة عن الحكومة حتى
تبدأ مهمّتي بتنفيذ عمليّات البيع".ويؤكّد
السيّد طمّار أن التشريعات الجديدة تسمح
لوزارته بالعمل على تسويق الشركات
الحكوميّة في المؤتمرات العربيّة
والدّوليّة.ويضيف: "سنبني موقعاً
للوزارة على الإنترنت لنعرض فيه مميّزات
الشّركات المخصصة للبيع.ولتشجيع
القطاع الخاص على شراء الشّركات
الحكوميّة التي تعاني من مديونيّات
كبيرة، تعمل وزارة المساهمة وتنسيق
الإصلاحات الاقتصاديّة مع وزارة المال
على إيجاد الحلول.يقول السيّد طمّار: "سنترك
حلّ مشكلة المديونيّات الصّغيرة
للمستثمرين، لكن المديونيّات الكبيرة
ستُغطّى من قبل الخزينة وذلك عبر دراسة
كل حالة على حدة".وأكّد أن وزارة المال
من خلال هذه المقاربة الجديدة تريد أن
تتأكّد أن الشّركات التي ستحظى بدعم مالي
لن تطلب المزيد وأنها بعد بيعها ستخلق
فرصاً وظيفيّة إضافيّة وستحقّق قيمة
إنتاجيّة مضافة.
من أصل 180 شركة حكوميّة
تقررت خصخصتها، ستعرض الحكومة
الجزائريّة 60 شركة للبيع في مناقصات
عامّة خلال العام الحالي (2001).ويتوقّع
السيّد طمّار أن تتم عمليّات البيع خلال
ستّة إلى ثمانية أشهر.ويقول الوزير: "بحسب
قانون الأصول السّائرة، سيكون على كل
شركة خاصة أو عامّة أن تلتزم بقانون
التجارة وتقرّر شؤونها بالاستقلال عن أي
سلطة أعلى".ويؤكّد أن كلاً من وزارة
الخصخصة ووزارة المال ووزارة القطاعات
ستحتل مقعداً في مجلس الإدارة الخاص بكل
شركة حكوميّة لتسهيل خصخصتها.لكن
المهمّة ليست سهلة.فالكثير من
الجزائريين يتوجّسون ريبة من الخصخصة
لأن الحكومة تواجه مشكلة كبيرة في
التّعامل مع البطالة التي وصلت نسبتها
إلى 30% في العام 1999 (50% بين العمّال
الشبّان).يشكّل القطاع الصّناعي العام
أكبر أصول الدّولة القابلة للبيع وهو
أكبر القطاعات الحكوميّة اكتظاظاً باليد
العاملة.لذلك يُخشى من أن الخصخصة التي
تؤدي غالباً إلى فقدان الكثيرين
لوظائفهم قد ترفع نسبة البطالة في البلاد
بشكل كبير.لذلك لا تسعى الحكومة
الجزائريّة، التي تتفهّم هذه المخاوف،
إلى الخصخصة من أجل جني بعض الإيرادات،
كما هي الحال في بعض دول المنطقة كلبنان،
حيث يُنظَر إلى الخصخصة كوسيلة لتحقيق
بعض التّوازن المالي.يقول السيّد طمّار:
"هدفنا إنقاذ شركاتنا.فسواء بقيت
الشّركات عامّة أو أصبحت خاصّة، علينا أن
نحافظ على قدرتنا الإنتاجيّة ونحدثها.فإن
تمكّنت إحدى الشّركات من أن تنطلق
لوحدها، أو بمساعدة أحد المصارف، فلا
مشكلة في أن تبقى الشّركة عامّة".
لكن
السيّد طمّار يضيف: "من الواضح أن 95% من
الشركات العامة ليست في هذا الوارد.وبما
أن الحكومة لا تريد صرف المزيد من المال
على هذه الشركات، من الضّروري فتح أسهم
هذه الشّركات أمام مصادر ماليّة أخرى.ما
هي هذه المصادر؟ إنها المستثمرون.ويعني
ذلك خصخصة 100% من الأسهم أو قسم منها".
يذكر
أن البرلمان الجزائري أقرّ أوّل قانون
للخصخصة في العام 1995 وقد أجاز القانون
الملكيّة الخاصّة بنسبة 100% للشّركات
المملوكة من الدّولة.لكن بسبب شروط
الدّفع المتشدّدة ومتطلّبات الاستخدام
القاسية، لم يكن القانون جذّاباً في أعين
المستثمرين.ووفقاً لتعديل جرى في العام
1997، رُفعَت متطلّبات الاستخدام
وخُفِّفَت شروط الدّفع، فبات القانون
مشابهاً لقوانين الخصخصة المعمول بها في
العالم.وينص القانون على خصخصة الشركات
المملوكة من الدّولة من خلال عرض عام في
سوق الأسهم، أو مناقصة تباع عبرها الأصول
أو الأسهم في استدراج تنافسي للعروض، أو
بيع مباشر بعد مفاوضات مع المستثمرين.
وقد
أصدرت الحكومة لائحة بحوالي 88 شركة و350
شركة ثانويّة معروضة كلّها للبيع.كذلك
عرضت "الرياض سطيف"، إحدى أكبر
شركات البلاد، 20% من أسهمها في السّوق
الجديدة للأسهم، إلى جانب "فندق
الأوراسي"، الذي يشكّل معلماً من
المعالم السّياحيّة في البلاد، وشركة
"صيدل" للمنتجات الصيدلانيّة.وفي
العام الماضي، تشكّلت شركتان مختلطتان
بارزتان، حملتا إلى الجزائر استثماراً
أجنبيّاً مباشراً خارج قطاع
الهيدروكربونات كانت البلاد بأمسّ
الحاجة إليه.فقد اشترت "هنكل"،
الشّركة الألمانيّة المنتجة للسّلع
الاستهلاكيّة، مرافق إنتاجيّة من "المجمع
الصّناعي للمنظّفات ومواد الصّيانة"،
وفي مجال الصّناعة، وقّعت "سافولا"،
المجموعة السّعوديّة ـ السّويسريّة
المشتركة، اتّفاقيّة بـ 50 مليون دولار
أميركي لشراء ثلاث وحدات إنتاجيّة من "المجمع
الصناعي للمواد الدّسمة".وقد تمّت
كذلك مناقصات ناجحة بيعت بموجبها أصول
حكوميّة أصغر حجماً، من بينها أكثر من 100
صيدليّة من أصل 483 معروضة للبيع.
وبهدف
تشجيع المزيد من الاستثمارات المماثلة،
تعكف الحكومة على إصلاح وكالة الاستثمار
التّابعة لها، أي "وكالة ترقية
ومتابعة ودعم الاستثمارات" التي تأسست
في العام 1993 لتوفير المساعدة والمعلومات
للمستثمرين ولتكون مدخلاً سهلاً لرجال
الأعمال الرّاغبين في الاستثمار في
الجزائر.ومثل سائر وكالات الاستثمار في
كافّة أرجاء العالم، تعمل الوكالة
الجزائريّة كـ "شباك موحّد"
للمستثمرين، فبدلاً من أن يضطرّ هؤلاء
للمرور عبر الأجهزة البيروقراطيّة
والإداريّة في عمليّة مكلفة ومستهلكة
للوقت للحصول على الموافقات القانونيّة
والتّنظيميّة اللازمة، تجري الوكالة لهم
كلّ المعاملات.كذلك تقدّم الوكالة يد
العون للمستثمرين الرّاغبين بإجراء
دراسات جدوى، فتؤمّن لهم أحدث المعلومات
والتحليلات.وبحسب السيد خالد بوقرة،
المدير العام للوكالة، لا يهم
المستثمرين غير الإمكانيّات
الاقتصاديّة الكامنة، لذلك يجب توفير كل
المساعدة اللازمة لهم قبل أن يوظّفوا
أموالهم.ويضيف: "يحتاج المستثمر
تقويماً دقيقاً جداً للوضع الاقتصادي.لذلك
نقدّم العون فيما يخصّ دراسات الجدوى بغض
النّظر عن حجمها أو شكلها.فالمستثمر لن
يأخذ القرار الفعلي بالاستثمار إلا حين
يقتنع بربحيّة استثماره".وتشمل
التعديلات، التي تعمل الحكومة على
إدخالها على الوكالة، تقسيم الوكالة إلى
وكالتين منفصلتين، تختصّ الأولى
بالمستثمرين المحليين وتركّز الثّانية
على المستثمرين الخارجيين.يقول السيد
طمّار: "لدينا كل المرونة اللازمة
للنقاش مع المستثمرين.فقانون الاستثمار
لدينا جيد جداً وكثير التحرر وشديد
الانفتاح بحسب المقاييس الدّوليّة.وللقانون
جانب ذو أهميّة خاصّة، فهو يستثني من بعض
بنوده المستثمرين الذين يبرهنون أن
مشاريعهم ستجلب إيجابيّات محدّدة للبلاد".فالقانون
يفضّل الشّركات المختلطة على غيرها،
ويقدّم لكلّ المشاريع التي تنشأ بموجبه
إعفاءات ضريبيّة لثلاث سنوات من ضريبة
القيمة المضافة على البضائع والخدمات
المشتراة محليّاً و/أو المستوردة،
وإعفاءً من ضرائب الأملاك، وتخفيضات
لسنتين إلى خمس سنوات على ضرائب الدّخل،
وتخفيضات جمركيّة، وتخفيضات على مساهمات
الضّمان الاجتماعي.
|