|
تحتاج البنية التّحتيّة في الجزائر إلى الكثير من إعادة التّأهيل والتّطوير، بيد أن الحكومة لا ترغب في توفير كلّ التّمويل اللازم لهذه العمليّة. لا بدّ أن في ذلك بشرى للمستثمرين. أشار أصحاب القرار السّياسي والاقتصادي في الجزائر أكثر من مرّة إلى أن تطوير البنية التّحتيّة في البلاد من الضّروريّات لإنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي السّاعي إلى تحقيق استقرار ماكرو اقتصادي، وإعادة هيكلة القطاع المالي، وإعادة تنظيم القطاع الصّناعي وخصخصته، واستصلاح الأراضي الزّراعيّة، وإيجاد حلول للمشكلة السّكنيّة. فالتّجّار والصّناعيّون يتململون من الوقت الذي يستغرقه مرور البضائع عبر المرافئ، فيما لا يستطيع المصرفيّون تقديم خدمات معقّدة بسبب مشكلات قطاع الاتّصالات.
واجه قادة الجزائر بعد الاستقلال مهمّة إدارة بلد تبلغ مساحته ثلث مساحة الولايات المتّحدة لكنّه فقير لناحية البنية التّحتيّة، لذلك وظّفوا قسماً أساسيّاً من استثمارات الدّولة في مجال تطوير البنية التّحتيّة خلال فترة الازدهار التي عرفتها البلاد في السّبعينيّات والنّصف الأوّل من الثّمانينيّات. لذلك تملك الجزائر اليوم بنية تحتيّة متطوّرة في مجالي النّقل والاتّصالات. بيد أن معظم هذه البنية التّحتيّة تراجع باطّراد بسبب عدم توافر ما يكفي من الأموال لصيانتها بعد اضطرار الحكومة، الجهة الوحيدة الموفّرة لخدمات البنية التّحتيّة، إلى تطبيق سياسة ماليّة متقشّفة منذ أواسط الثّمانينيّات.
لكن في تطوّر يحمل بشرى للمستثمرين، أعلنت حكومة الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة أخيراً عن فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجال تطوير البنية التّحتيّة بهدف تحقيق تحسّن سريع لخدمات هذه البنية وإصلاح الأعطال النّاجمة عن الإهمال والتّخريب.
حين يتناول وزير النّقل السيّد حميد الونوسي هذا الموضوع، يقول بكلّ صراحة: "تبلغ مساحة الجزائر 2،4 مليون كيلومتر مربّع، لذلك فإن حاجتها إلى البنية التّحتيّة هائلة. لكن الخزينة العامة لا يمكنها أن تشقّ طرقاً، وتشتري الآلات اللازمة، وتحدّث خدمات الجمارك، وتبني طرقات سريعة توصل إلى المطار، الخ، لا سيّما أن القطاعات الأخرى، كالقطاعين الزّراعي والصّحّي، بحاجة حالياً للأموال العامّة. لذلك نحن بحاجة لإعادة توجيه استراتيجيّة البلاد وتحريك مصادر تمويل بديلة عير إقامة شراكات وتقديم تنازلات وغير ذلك من أنواع الاستثمار".
وتحضيراً لهذا الأمر، يعمل السيّد الونوسي على تغيير نظم وزارته للإفساح في المجال أمام رؤوس الأموال المحليّة والعالميّة لتُوَظَّف في شبكات النّقل الجوّي والبرّي والبحري. يسمح الإطار القانوني العام في الجزائر للقطاع الخاص بالاستثمار في قطاع النّقل، لكن ضمن حدود، فالقوانين تنصّ على وجوب امتلاك مساهمين جزائريين لـ 51% من أسهم الشّركات الخاصّة التي قد تنشأ في هذا الميدان. لذلك عملت وزارة النّقل على تعديل القوانين للسّماح بنشوء شركات أجنبيّة 100%. وقد أقرّ البرلمان الجزائري هذه التّعديلات في أيلول/سبتمبر 2000.
|

|
وبدوره خضع قطاع النّقل الجزائري في السّنوات الأخيرة لإجراءات اقتصاديّة عملت على تحريره وفتح الشّركات الحكوميّة الكبرى أمام المنافسة وتشجيع الاستثمارات الخاصّة في القطاع. فالخطوط الجويّة الجزائريّة، ثالث أكبر شركات البلاد من حيث إجمالي المردود السّنوي، تتنافس حاليّاً مع أربع شركات محليّة خاصّة، تأسّست بعد تحرير القطاع في العام 1998. وتخضع الخطوط الجويّة الجزائريّة نفسها لعمليّة إعادة هيكلة وتنفق مبالغ ضخمة على تحديث أسطولها الجوي، لذلك قد تبدأ الشّركة قريباً في البحث عن استثمارات من القطاع الخاصّ.
وتعمل وزارة النّقل كذلك على خطّة لإعادة هيكلة قطاع النّقل البحري من طريق فصل العمليّات التّجاريّة عن سلطة المرافئ. يقول السيّد الونوسي: "سيصدر قريباً قانون ينيط بسلطة المرافئ صلاحيّات أمنيّة وإداريّة ورقابيّة فقط. بيد أن العمليّات التّجاريّة، الخاضعة حاليّاً لهذه السّلطة، ستكون مستقلّة وخاضعة للمنافسة".
|
من المرافئ التي تتوقّع ازدهاراً كبيراً بفضل الإصلاحات الجديدة ميناء عنّابة، ثالث أكبر المرافئ في الجزائر وبوّابة الاستيراد والتّصدير الأساسيّة لكلّ الصّناعات المتمركزة في منطقة عنّابة، لا سيّما "أسمدال"، أكبر منتج للأسمدة الزّراعيّة والأمونيا في البلاد، و"فيرفوس"، أكبر منتج للفوسفات. يملك المرفأ تجهيزات خاصّة للتّعامل مع المستوعبات والبضائع على اختلافها، لا سيّما بضائع "أسمدال" و"فيرفوس"، إضافة إلى المسافرين المتنقّلين بين عنّابة وميناء مرسيليا الفرنسي.
بحسب السيّد جيلاني صالحي، المدير العام للمرفأ، يعمل ميناء عنّابة على تطوير نوعيّة تجهيزاته واختصاصاتها استعداداً للزّيادة المرتقبة لعمليّاته بعد وضع الإصلاحات الاقتصاديّة حيّز التّطبيق. يملك المرفأ ثلاثة أحواض بسعة 45 هكتاراً و40 هكتاراً و10 هكتارات، ويمكن له أن يستقبل 22 سفينة في الوقت نفسه، كما تبلغ مساحة الأرض التي يقوم عليها 82 ألف متر مربّع، فيما تبلغ مساحة هنغاراته سبعة آلاف متر مربّع. وقد قدّم أكثر من أربعة ملايين خدمة في العام 1999، مقارنة بـ 3،5 ملايين خدمة قبل عام، أي بزيادة مقدارها 16%. ويؤكّد السيّد صالحي أن ميناء عنّابة على علاقة تجاريّة ببعض مرافئ العالم العربي، كمرفأي دبي الإماراتي واللاذقيّة السّوري، وكذلك ببعض شركات النّقل البحري، لا سيّما في السّعوديّة. "من بين مرافئ المتوسّط، يملك ميناء عنّابة بنية تحتيّة جيّدة، لكنّه بحاجة لمزيد من التّطوير والتّنظيم، الأمر الذي يستدعي عقد مزيد من الشّراكات."
وكما هي الحال مع قطاع النّقل، تسعى الحكومة إلى تطوير قطاع الاتّصالات. وقد تمكّن وزير البريد والاتّصالات، السيّد محمّد مغلاوي، من إطلاق هذه العمليّة من خلال قانون أقرّه البرلمان أخيراً لتحقيق فصل بين سلطة الوزارة المنظّمة للقطاع والنّشاطات التّجاريّة فيه ولجعل النّظام البريدي وشبكة الاتّصالات كيانين تجاريين مستقلّين.
ومع أن النّظام البريدي سيبقى حكوميّاً في الوقت الحاضر، تعمل الحكومة على إعادة تأهيل شبكة الاتّصالات بحيث يزداد عدد الخطوط من ستّة إلى 20 لكلّ 100 مواطن ويتم تحويل كلّ الخطوط إلى النّظام الرّقمي بهدف تحضير الشّبكة للتّحرير فالخصخصة. وقد بدأت عمليّة إعادة التأهيل مع إعلان الحكومة عن استدراج عروض من القطاع الخاصّ لإنشاء شبكة ثانية للهواتف المحمولة "كخطوة أولى"، كما يقول السيّد مغلاوي، "فما أن يوافق مكتب محاسبة دولي على النّتائج الأولى لشركة الاتّصالات الجديدة، حتّى نفتح جزءاً من رأسمالها، ربّما بين 25% و30%، أمام مستثمر استراتيجي أو مستثمرين استراتيجيين قادر أو قادرين على المجيء بالتّكنولوجيا والخبرة الإداريّة والتّمويل اللازم لتطوير الشّبكة. ونسعى كذلك إلى استدراج عروض لإنشاء شبكة هاتفيّة في المناطق النّائية وسنفتح المجال أمام القطاع الخاصّ لاستغلال الاتّصالات الدّوليّة والمحليّة. الهدف إذن تحرير كلّ القطاع مع حلول العام 2005. فدرجات مختلفة من الخصخصة ستُعتَمَد من اليوم إلى العام 2004 لخلق تنافس في السّوق تحت إشراف السّلطة المنظِّمة".
في هذه الأثناء، سيركّز الوزير اهتمامه على تحديث شبكة الاتّصالات خلال السّنة أو الـ 18 شهراً المقبلة. فالوزارة تحضّر شبكة اتّصالات متخصّصة لخدمة المصارف ستبدأ بالعمل في العام 2001، كما تحضّر لشبكة تسمح بنقل الصّوت والصّورة والبيانات.
يقول السيّد مغلاوي: "في الماضي كنّا نتحدّث عن من يملك المال وعن من لا يملكه. اليوم نتحدّث عن من يعرف وعن من لا يعرف. لذلك حين يقول المصرفيّون إن الاتّصالات ضروريّة للتّنمية فهم على حقّ. لذلك تتلخّص مهمّتنا في منح البلاد شبكة اتّصالات ملائمة لكلّ النّشاطات الاقتصاديّة والاستثماريّة. فالمستثمرون لن يأتوا إلى الجزائر إن لم نوفّر شبكة جيّدة".
|