|
في
تطور منتظر منذ زمن طويل، يسعى وزبر
الطّاقة الجزائري إلى الفصل بين الدولة و
" سوناطراك"
بين شركات التّنقيب عن المعادن في الجزائر، تبرز شركتا "المؤسّسة الوطنيّة للحديد والفوسفات" (فيرفوس) و"المؤسّسة الوطنيّة للمنتجات المنجميّة غير الحديديّة والمواد المفيدة" (إينوف). تعمل "فيرفوس" في مجال التّنقيب عن المعادن، وهي شركة مساهمة مركزها جنوب شرقي الجزائر. وتلتزم الشّركة التّنقيب عن ثروات البلاد من الحديد والفوسفات وتطويرها وتصديرها. ومع أن الشّركة مملوكة بشكل كامل من قبل الدّولة، فهي تسعى إلى تجاوز النّتائج التي ترتّبت على فترة من المشكلات الماليّة. وقد تمكّنت أخيراً من معاودة صادراتها ومن تحقيق الأرباح بفضل حيويّة مديرها العام الجديد نسبيّاً، السيّد سبتي عزّاق.
وعلى الرّغم من عودة "فيرفوس" إلى نشاطها، لا تزال بحاجة إلى استثمارات كبيرة لكي توسّع إنتاجها، وإعادة تأهيل مناجمها ومعاملها الحاليّة، والبدء بمشاريع جديدة. فاحتياطيّات الحديد والفوسفات في الجزائر كبيرة جدّاً وغير مستغلّة بما فيه الكفاية، والسّبب الأساسي قلّة الاستثمارات. والواقع أن للاستثمار في قطاع المناجم الجزائري مردوداً كبيراً ومضموناً، غير أن من يوظّف في هذا القطاع يجب أن يضع نصب عينيه خطّة بعيدة المدى. يُذكر أن التّعدين في الجزائر ليس جديداً. فقد دلّت التّنقيبات الأثريّة على وجود مناجم نحاس رومانيّة. وقد عمل الاستعمار الفرنسي على استغلال المناجم الجزائريّة، فاستنفد مناجم النّحاس في تَبِسّة، كما استغلّ مناجم الحديد في بني صاف، والزّنك والرّصاص في بورقيب، وعدد من المعادن الأخرى قرب عنّابة. لكنّ الاستعمار خلّف خطّاً حديديّاً كهربائيّاً لنقل المعادن المستخرجة من المناجم إلى المرافئ لا يزال قيد الاستعمال إلى اليوم. وخلال حرب التّحرير، عملت شركات التّعدين، بعدما شعرت بدنو أوان خروجها من البلاد، على استخراج أكبر كمّيّة ممكنة من المعادن، الأمر الذي أدّى إلى إنهاك الكثير من مناجم البلاد. وقد بقي الأمر على حاله بعد الاستقلال إلى أن أصدرت الحكومة الجزائريّة قرار تأميم المناجم في العام 1966، أي قبل تأميم قطاع النّفط بوقت قصير.
وبسبب تراجع عدد المناجم المنتجة من 22 إلى واحد وتركيز الحكومة الجزائريّة اهتمامها آنذاك على قطاع النّفط، لم يتم استغلال الثّروة المعدنيّة الهائلة في البلاد، لا سيّما احتياطيّات الفوسفات المقدّرة بحوالي بليوني طن، بالشّكل الكافي. فـ "فيرفوس" تنتج اليوم 2،2 مليون طن من الفوسفات سنويّاً، لكنّها تسعى إلى زيادة هذا الإنتاج إلى 4،2 مليون طن. يقول السيّد عزّاق: "لقد خصّصنا بعض المال لشراء معدّات جديدة، لكنّ أي منجم جديد لا يعطي أرباحاً فور البدء بالعمل به، على عكس المشاريع الأخرى. ففتح المنجم بحاجة لثلاث سنوات ليكتمل، وعلينا في هذه الأثناء أن ننفق مالاً دون أن نحقّق أي ربح يذكر. لذلك لا يملك كثيرٌ من المستثمرين الاهتمام اللازم للتّوظيف في قطاع التّعدين". لكن المدير العام لـ "فيرفوس" يؤكّد أن "للشّركة الكثير من الشّركاء المحتملين، وقد بدأنا محادثات معهم، وهم من الأوروبيين والعرب والأميركيين". ويعاني إنتاج الحديد في الجزائر من الإهمال بسبب خوف الحكومة الجزائريّة من تراجع احتياطي المادّة في المناجم الرّئيسيّة في منطقة الأونزة ـ بوخضر حيث عمل الاستعمار على استخراج المعدن بشكل كثيف. لكنّ السيّد عزّاق يؤكّد أن "فيرفوس" بدأت محادثات مع شركاء محتملين لإعادة إحياء تعدين الحديد. يذكر أن الشّركة تنتج أيضاً مادّة "البوزلين" غير المعروفة خارج الجزائر، وهي مادّة كلسيّة تدخل في صناعة الإسمنت.
تبيع "فيرفوس"، بحسب السيّد عزّاق، الفوسفات لزبائن في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا وهولندا وتركيا وماليزيا وإندونيسيا. وتسعى اليوم إلى دخول السّوق البرازيليّة، وتخطّط لأن تنتج مع حلول العام 2010 مليون طن من حمض الكبريت الذي يتكوّن تلقائيّاً خلال تصنيع الفوسفات، فالكثير من الدّول اليوم تشتري الفوسفات لتحويله إلى حمض الكبريت الذي يدخل في الكثير من الصّناعات، لا سيّما صناعة الأسمدة الفوسفاتيّة. فالطّلب يزداد على هذا النّوع من الأسمدة في الدّول ذات النموّ السكّاني الكبير، كالهند، التي تستورد جزءاً كبيراً من حمض الكبريت من المغرب وتونس المجاورتين للجزائر. ويضيف السيّد عزّاق أن الشّركة الجزائريّة المنتجة للأسمدة "أسمدال" وبعض الشّركات الأوروبيّة ستشارك "فيرفوس" في مشروع إنتاج حمض الكبريت. ولن تتردّد "فيرفوس" في التّعاون مع المصارف الجزائريّة والمستثمرين العرب والأجانب، فهي بحاجة لحوالي 714 مليون دولار أميركي لإعادة تأهيل مصنع المعالجة الكيميائيّة الخاصّ بها، وتطوير البنى التحتيّة لمصانعها عموماً، وبناء مناجم جديدة، وغيرها من المشاريع (راجع الإطار). وأعرب السيّد عزّاق عن استعداده للسّفر إلى دول الخليج لتسويق مشاريعه هناك. يقول: "أريد أن أشرح للمستثمرين الخليجيين سلامة الاستثمار في الجزائر. فهناك قوانين تضمن الحماية للاستثمارات الأجنبيّة. كذلك يمكن للمستثمر أن يخرج أرباحه من البلاد دون أي مشكلة." كذلك يناشد المستثمرين المحتملين في قطاع التّعدين أن يتفهّموا أن القطاع يحتاج بعض الوقت ليبدأ بدرّ الأرباح. يقول: "عليهم الانتظار بعض الوقت، لكنّ الرّبح مضمون".
من ناحية أخرى، تبرز "إينوف"، الشّركة الحكوميّة للمعادن غير الحديد وسائر الفلزات. فالمناجم ومعامل التّحويل التي تملكها الشّركة تنتج موادّاً تدخل في الصّناعات على اختلافها. أهمّ منتجات الشّركة الزّئبق، والزّنك، والرّصاص المركّز، والزّنك المركّز، والكاولين، والدولومايت، والمواد اللازمة لبناء الطّرق والمباني، والفلدسبار، والرّمل الخثّي، وكربونات الكالسيوم، والبنتونايت، والرّمل المبيِّض. وتتميّز الشّركة بنجاحها الكبير في مجال التّصدير، وتغطّي فروعها 20% من الجزائر، وهي تسعى إلى المزيد من التّوسّع عبر عقد شراكات مع مستثمرين أجانب، كما أنّها من الشّركات العامّة التي تنوي الحكومة الجزائريّة خصخصتها في المستقبل.
تشهد الشّركة توسّعاً مستمرّاً، فقد ازداد حجم أعمالها الإجمالي من حوالي 1661 مليون دينار جزائري (حوالي 23 مليون دولار أميركي) في العام 1997 إلى حوالي 1924 مليون دينار جزائري (حوالي 27 مليون دولار أميركي) في العام 2000. وتحتلّ الشّركة التي أُعيدَت هيكلتها في العام 1983 المركز الثّالث بين الشّركات الجزائريّة العاملة في قطاع التّعدين بعد "فيرفوس" و"أسمدال"، وهي تضمّ عدّة شركات ثانويّة متخصّصة بإنتاج موادّ معدنيّة محدّدة. ويفخر المدير العام لـ "إينوف"، محمّد اللامي، بامتلاك الشّركة لأحدث الآلات اللازمة لتوفير أفضل المواد المعدنيّة للزّبائن، لكنّه يعترف بأنّ بعض منتجات الشّركة تلاقي مبيعاً أكثر من بعضها الآخر. ويضيف: "نخطّط الآن لجعل سوق الموادّ النّاجحة تدعم سوق الموادّ الأقلّ نجاحاً لكي نتمكّن من تحسين موقعنا في الأسواق".
وبالنّسبة إلى الشّراكات التي تنوي "إينوف" عقدها، يقول السيّد اللامي إن الشّركة تسعى إلى اجتذاب كلّ أنواع الاستثمارات. يقول: "تحتاج شركاتنا الثّانويّة الكثير من المال لتحقّق التقدّم الذي تطمح إليه". ويؤكّد أن نموّ الصّناعات في الجزائر والدّول الشّريكة لها في الميادين الاقتصاديّة، لا سيّما دول المغرب العربي الأخرى، وكذلك ارتفاع مستوى الحياة في هذه الدّول، من العوامل المشجّعة للشّركة على توسيع أعمالها. يقول: "لقد بدأنا قبل ثلاث سنوات بحملة لتسويق منتجات الشّركة في الدّول العربيّة وأوروبا ودول الاتّحاد السّوفيتي السّابق". ويضيف: "تمثّل "إينوف" فرصة استثماريّة هامّة للمستثمرين الرّاغبين في عقد شراكات. فمنتجاتها تحتلّ مركزاً مرموقاً في الأسواق وهي الوحيدة المنتجة للبنتونيت في الجزائر".
|