كان يمكن للجزائر، بفضل مواردها الغنيّة والمتميّزة، أن تمتلك، بعد بعض الجهد والوقت، أحد أهم الأنظمة الاقتصاديّة في العالم وأن توفّر البحبوحة لشعبها. لكنّ هذه الفرصة الكامنة لا تزال غير محقّقة ومهمّشة بسبب الوضع السّياسي الصّعب والمعقّد والسّياسة الاقتصاديّة غير النّاجحة اللذين أدّيا إلى فترة مأساويّة من العنف الأهلي. فقد حجبت مشكلات البلاد خطّة إصلاحيّة حازمة تعود إلى بداية العقد الماضي ولا تزال تعمل على تحويل الجزائر إلى اقتصاد سوق ليبرالي تماماً. وبتوجيه من الرّئيس الديناميكي، السيّد عبد العزيز بوتفليقة، باتت عمليّة الإصلاح في الجزائر غير قابلة للانعكاس، لكنّها غير مرشّحة في الوقت نفسه للاستمرار أو للنّجاح في غياب الاستثمارات الأجنبيّة. فالجزائر اليوم جاهزة لقطاع الأعمال.

تملك الجزائر للأسف صورة محدودة في العالم. فمعظم الناس لا يعرفون عن الجزائر غير صراعها الدّموي من أجل الاستقلال عن فرنسا وأزمتها الأهليّة في التّسعينيّات التي أودت بأكثر من 100 ألف متمرّد وجندي ومدني. ولو كان المرء ذا اطّلاع أوسع بقليل، لعَلِم أن الجزائر تلعب دوراً مهماً في سوق الطّاقة العالمي لأنّها تنتمي إلى "منظّمة الدّول المصدّرة للنّفط" (الأوبك) وأحد أهم مصادر الطّاقة بالنّسبة لأوروبا. لكن المعلومات المتعلّقة بهذا البلد تتوقّف عموماً عند هذا الحدّ، ويا للمفارقة، لأن ما لا يعلمه المراقب العادي عن الجزائر قد يكون أكثر إثارة للاهتمام من المعلومات العامّة هذه، لا سيّما في أيّامنا.
في العام 2001، تبدو الجزائر بلداً وُلِد من جديد، كما أن زائر هذا البلد الذي تكتنفه الأسرار يجد فيه مصدراً غنيّاً من مصادر المعرفة. فالشوارع والطرق المهجورة بسبب العنف السّياسي الذي ضرب البلاد كالوباء منذ بضعة سنوات عادت تصخب بالحياة، ومراكز الأعمال والسّياسة، التي كانت في الماضي حصوناً للاشتراكيّة الحكوميّة، تعمل اليوم بجدّ لاجتذاب الاستثمارات سعياً وراء منافع الخصخصة وتأسف لأن بقيّة دول العالم لم تلاحظ إلى الآن التغيير الجاري في البلاد.
ولهذا الأسف ما يبرّره. فالجزائر تشهد تغيّرات جذريّة في كل حقل من الحقول السّياسيّة والاقتصاديّة تقريباً. كذلك يجهد السيّد عبد العزيز بوتفليقة، رئيس البلاد منذ سنة ونصف السّنة، في تسريع وتيرة الإصلاحات التي بدأت قبل وصوله إلى الحكم بعدّة سنوات. فمن الناحية السّياسيّة، يرى السيّد بوتفليقة ووزراؤه أن الفتنة الأهليّة التي شهدتها البلاد في التّسعينيّات قد انتهت. وعلى الرّغم من استمرار العنف السّياسي على نطاق محدود، فقد حقّقت الجزائر تقدّماً كبيراً على صعيد الانتقال إلى السّلم الأهلي الكامل. فالعنف يتراجع منذ توصّل الحكومة إلى وقف لإطلاق النّار مع "جيش الإنقاذ الإسلامي" في العام 1997 وقانون العفو الذي أقرّه مجلس النوّاب في العام 1999. وقد وافقت أغلبيّة واسعة على سياسة الرّئيس السّلميّة في استفتاء وطني جرى في شهر أيلول/سبتمبر من العام 1999، كما أعلن "جيش الإنقاذ الإسلامي" عن حلّ نفسه في بداية العام 2000. وقد ذكر أحد الوزراء في حديث لـ "الشرق الأوسط" أن العنف في الجزائر اليوم لا يختلف عن ذلك الذي تعرفه إسبانيا. وليس في ذلك أدنى مبالغة. فقد بات للجزائر صورة جديدة من دون أدنى شك.
لكن التجربة المرعبة التي عرفتها البلاد لم تبتعد تماماً عن أذهان سياسيي البلاد. فجذور الأزمة الأهليّة ضاربة في مستوى المعيشة المتدنّي منذ الثّمانينيّات، ومشكلة البطالة الحادّة، لا سيّما بين العمّال الشبّان، والنّقص الشّديد في عدد المساكن، لذلك يشعر السّياسيّون بالحذر من النّتائج السّياسيّة للتغيّرات الاقتصاديّة الكبيرة المرتقبة.
وتشغل الجبهة الاقتصاديّة السيّد بوتفليقة بالمستوى نفسه، إن لم يكن أكثر. ففي كانون الثاني/يناير من العام 2000، قدّمت حكومته لمجلس النوّاب برنامجاً


في العام 2001،
تبدو الجزائر بلدا ولد من جديد.
فالشوارع والطرق مهجورة
بسبب العنف السياسي
الذي ضرب البلاد
كالوباء منذ بضع سنوات،
عادت تصخب بالحياة

وتشغل الجبهة الاقتصاديّة السيّد بوتفليقة بالمستوى نفسه، إن لم يكن أكثر. ففي كانون الثاني/يناير من العام 2000، قدّمت حكومته لمجلس النوّاب برنامجاً إصلاحيّاً واسع النّطاق يتضمّن، إلى جانب توجيه السّياسة الماليّة والنّقديّة نحو تحقيق الاستقرار الماكرو ـ اقتصادي، أربعة التزامات اقتصاديّة رئيسيّة. بحسب الالتزام الأوّل، ستستمر الحكومة في السّعي إلى إعادة هيكلة القطاع المالي عبر إجراء تنظيم مناسب، وتحقيق الالتزام بالمتطلّبات الضّروريّة، وفتح المصارف الحكوميّة أمام المنافسة الخارجيّة والدّاخليّة. وبحسب الالتزام الثّاني، يعرض البرنامج معظم المؤسسات الحكوميّة غير الماليّة للخصخصة، ما يجعل العمليّة العتيدة من بين الأكبر من نوعها في أفريقيا. وتتضمّن الخطّة تحرير قطاع الاتّصالات، وقراراً بالتّرخيص لشركة ثانية موفّرة لخدمات الهاتف المحمول، وإصلاح تنظيمات الاستثمار في البلاد. وبحسب الالتزام الثّالث، سيخضع قطاع الطّاقة في الجزائر لمنافسة أكبر وإعادة هيكلة داخليّة. أما بحسب الالتزام الرّابع، ستسعى الحكومة لإيجاد حلول لنقص المساكن عن طريق تشجيع القطاع الخاص على البناء وغيرها من الوسائل، كما ستعمل على حل مشكلات الإصلاح العقاري. حين دفعنا بهذا التّقرير إلى المطبعة، كان السيّد بوتفليقة قد عيّن السيّد علي بن فليس، المدير السّابق لرئاسة الجمهوريّة، رئيساً للحكومة، في خطوة رأى فيها المراقبون محاولة لتسريع وتيرة الإصلاح الاقتصادي.
ليس البرنامج الإصلاحي للسيّد بوتفليقة جديداً، بل هو مُصَمّم لمتابعة عمليّة التحوّل الاقتصادي التي بدأت في العام 1994 بعد أن أدى استمرار الانخفاض في أسعار النّفط والتفكك الاقتصادي النّاتج عن مركزيّة التّخطيط إلى تفاقم الدّين الخارجي واختلال ميزان المدفوعات. من النّاحية الهيكليّة، أطلقت الإصلاحات عمليّة بطيئة لإعادة تأهيل القطاع المالي وأسست لبرنامج للخصخصة يستند إلى إعادة هيكلة قطاع الصناعة العام. لكن الجانب الأكثر إلحاحاً كان تركيز البرنامج على استعادة الاستقرار الماكرو ـ اقتصادي. في هذا المضمار، حقّقت الحكومة نجاحاً مميّزاً. فقد تراجع التضخم من 39% في العام 1994 إلى حوالي 4% في العام 2000، فيما تحول عجز الموازنة العامّة من عجز يناهز الـ 9% من إجمالي الناتج المحلي في العام 1993 إلى فائض بمقدار 2،9% في العام 1997، وكان متوقعاً لهذا الفائض أن يبلغ 5% في العام 2000. أما إجمالي الإيرادات العامة، الذي يلعب دوراً هاماً في حماية الاقتصاد من تقلب أسعار النفط، فقد كان متوقعاً له أن يرتفع من 4،2 بليون دولار أميركي في العام 1996 إلى 9،6 بلايين دولار أميركي في العام 2000. وبالنسبة للعجز، فكان متوقعاً له أن ينخفض من 72% في العام 1996 إلى 48% في العام 2000.
بفضل هذه الإصلاحات والتحسّن التّدريجي في إيرادات النفط والغاز، تمكنت الجزائر من عكس الاتجاه إلى النمو السلبي لدى إجمالي الناتج المحلي، وهو اتجاه ميز الفترة الممتدة بين أواسط الثمانينيات وأواسط التسعينيات. لكن على الرّغم من هذه الإيجابيّات الكثيرة، لا يزال الاقتصاد يعاني من عدم توازن من الناحية الهيكلية. فمن ناحية، لا تزال الصناعة تخضع لإعادة الهيكلة، ولا تزال بحاجة لأن تصبح عاملاً إيجابياً في الدّخل الوطني. وذلك يعني أن الاقتصاد لا يزال شديد الاعتماد على إيرادات المواد الهيدروكربونيّة وعلى الظروف المناخية الملائمة للإنتاج الزراعي، ما يجعله خاضعاً لعوامل خارج نطاق سيطرته.


تملك الجزائر الكثير من الإمكانيّات الاقتصاديّة الكامنة. ويتضح السّبب من خلال قراءة سريعة لأرقامها. فالجزائر، بمساحتها البالغة 2،4 مليون كم2، عاشر أكبر بلدان العالم وثاني أكبر دولة في أفريقيا، وهي تقع في موقع جغرافي استراتيجي بين أوروبا والشّرق الأوسط وأفريقيا، وتحدّها سبع دول، ويبلغ طول شريطها السّاحلي أكثر من 1200 كم. وتملك البلاد موارد غنيّة، سواء منها الطبيعية أو البشرية. فأحواضها الرسوبية التّابعة جغرافيا لـ "الصحراء الكبرى" تحتوي احتياطات هيدروكربونية تعد من بين الأكبر من نوعها في العالم. وتملك البلاد رواسب مهمة من المعادن غير النفطية، كالحديد الخام الممتاز، والفوسفات، والزئبق، والزنك، وحتى الذهب. وفيما يخص القطاع الزراعي، تملك الجزائر ثروة سمكيّة كبيرة غير مستغلة في معظمها. وفي الجزائر حوالي 30 مليون نسمة (يبلغ نصفهم أقل من 20 عاماً) ويد عاملة حسنة التدريب، وبنية تحتية متطورة في مجال النقل، تضم 31 مطاراً (بينها 13 مطاراً دولياً) و13 مرفأً (بينها أربعة متخصصة في تجارة الهيدروكربونات)، و100 ألف كم من الطرق و4500 كم من السكك الحديدية.
على الرغم من هذه الموارد الغنية (أو بسببها، كما يرى البعض)، تظل الجزائر بلداً بحاجة للتحقيق الخلاق للفرص الكامنة التي توفّرها موارده وشعبه. وكما يروى عن لسان السيد بوتفليقة، لا يمكن للمرء أن يقتات على الفرص الكامنة. فبعد 38 سنة على الثّورة، يتوقع الجزائريون، الشبان بمعظمهم والغير مستعدين للعيش على رموز الماضي والتضحيات المادية التي قدمها ذووهم، تحقيق الفرص الكامنة خلال حياتهم، وليس خلال حياة أبنائهم. لذلك كانت الجزائر في العام 2000 على طريق اللاعودة نحو الإصلاح، وهو طريق فتح البلاد على العالم الخارجي وعلى الاستثمار. وهو كذلك طريق قد يفضي أخيراً إلى فترة طويلة من الازدهار ومستوى العيش المتقدّم