تشمل خطّة إصلاح "سوناطراك" الشّركات الثّانويّة التّابعة لها. فـ "سوناطراك" تملك ثماني شركات ثانويّة تعمل في كافّة أعمال قطاع النّفط والغاز التي لا تقوم بها الشّركة الأم، كالتّكرير والتّوزيع، وإنشاء البنية التّحتيّة، والحفر، ومسح الأراضي، والصّناعات البتروكيميائيّة. ومع أنّ حصّة "سوناطراك" في كلّ شركة من هذه الشّركات تبلغ 100% أو 51%، تتمتّع هذه الشّركات باستقلال تجاري، وهي تعمل حاليّاً على توسيع نطاق عمليّاتها وتبدي انفتاحاً كبيراً على فرص الاستثمار والشّراكة.
من بين هذه الشّركات "المؤسّسة الوطنيّة للأشغال في الآبار" (إي. إن. تي. پي.) العاملة في مجال حفر الآبار. بدأت هذه الشّركة رحلتها دائرة من دوائر "سوناطراك"، لكنّها ما لبثت أن تحوّلت إلى شركة في العام 1983، فيما احتفظت "سوناطراك" بـ 51% من أسهمها، وتعمل الشّركة اليوم بنجاح كبير في سوق حفر الآبار المتميّزة بالمنافسة الشّديدة. فالقطاع يضمّ أيضاً "المؤسسة الوطنيّة للتّنقيب" (إينافور) المملوكة من الدّولة، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الشّركات الأجنبيّة العاملة في المجال نفسه، مثل "سيتكو ــ فوريكس" الأميركيّة و"سايپم" الإيطاليّة و"فوراسول" الفرنسيّة.
تقوم منشآت "إي. إن. تي. پي." على مساحة إجماليّة قدرها 595 ألف متر مربّع تقريباً، تحتل المستودعات والورش عشرها تقريباً، ما يجعل الشّركة صاحبة إحدى أكبر المواقع في العالم في مجالها. وتجري الشّركة أبحاثاً مستمرّة لتطوير أدائها، فقد تمكّنت من تنفيذ عقود لحفر الآبار في مناطق متنوّعة الطّبيعة والمناخ، مثل تنزانيا واليمن وتونس. وإضافة إلى "سوناطراك"، زبونها الرّئيسي، تعمل "إي. إن. تي. پي." لحساب الشّركات النّفطيّة الأجنبيّة العاملة في الجزائر، مثل "أناداركو پتروليوم" و"پي. إتش. پي" و"سيپسا" و"أجيپ". فالشّركة تملك وتدير 40 حفّارة، وتُقَدَّر حصّتها من السّوق الجزائريّة بـ 40%، وقد عقدت شراكة مع الشّركة الألمانيّة "دويتاچ" وأسّست معها مشروعاً مشتركاً باسم "ديكو".
ويؤكّد السّيّد عبد العزيز كريسات، المدير العام لـ "إي. إن. تي. پي."، أن المنافسة في سوق حفر الآبار "تزداد شراسة". ويقول إنّ استراتيجيّته تتمثّل في السّعي إلى تمتين الشّراكة مع "دويتاچ" بهدف زيادة الاستثمار، وتوسيع نطاق خدمات الحفر التي تقدّمها شركته بحيث تلائم الحاجات المتزايدة لزبائنها، وإنشاء شركتين ثانويّتين تتولّى نشاطات النّقل وتوفير الطّعام للعمّال. ويرى السّيّد كريسات أن الخطوة الأخيرة "ستسمح للشركة بالاهتمام أكثر بمجال عملها الأساسي". ويؤكّد أن مالكي أسهم الشّركة يفكّرون في خصخصتها، بحيث يتمّ عرض 20% من هذه الأسهم في الأسواق الماليّة كخطوة أولى. ويضيف: "أرى أن الخصخصة أمر يجب أن ننظر فيه في قطاعنا الذي يتطلّب استثمارات ضخمة". ومن الآن إلى العام 2005، ستستثمر "إي. إن. تي. پي." 12 بليون دينار جزائري (166 مليون دولار أميركي) لتطوير معدّاتها وتوسيع خدماتها.
من ناحيةٍ أخرى، انطلقت "إينافور" إلى سوق العمل دائرةً تابعةً لـ "سوناطراك" تعمل في حفر آبار النّفط وصيانتها، لكنّها ما لبثت أن أصبحت شركة قائمة بذاتها في العام 1982. تقدّم "إينافور" اليوم خدماتها لـ "سوناطراك" المالكة لـ 51% من أسهمها، كما تتعامل مع عدد من الشّركات الأجنبيّة العاملة في الجزائر، مثل "إناداركو" و"ريپسول" و"أركو برلنچتون"، فهي تملك 27 آلة تنقيب من الأنواع الثّقيلة والمتوسّطة والخفيفة تمكّنها من الحفر إلى عمق يقدّر بستة آلاف متر، كما تملك أسطولاً من وسائل النّقل المتخصّصة بمجموعة من المهمّات، كتوصيل آلات التّنقيب، وتزويد الورش بقطع الغيار، وتبديل العمّال، والتدخّل السّريع.
تقدّر حصّة "إينافور" من السّوق الوطنيّة بـ 40% في مجالي التّنقيب والاستكشاف، علماً أن هذين المجالين من أدق مجالات قطاع النّفط وأصعبها، لا سيّما بسبب عزلة الورش وبعدها عن مراكز الإمداد ووعورة مسالكها. وفي العام 2000، أنجزت "إينافور" 118 بئراً لأغراض التّنمية والاستكشاف والري والصّيانة، تضاف إلى أكثر من 2000 بئر أنجزتها الشّركة منذ تاريخ إنشاءها. وقد بلغ العمق الإجمالي للآبار المنجزة في العام 2000 لوحده 176 آلاف متر. وتتميّز اليد العاملة في الشّركة بخبرتها الكبيرة التي لا يقلّ معدّلها عن 20 سنة.
يقدّر السيّد داود صحبي، رئيس "إينافور" ومديرها العام، إجمالي المردود السّنوي لشركته بـ 100 مليون دولار أميركي. ويؤكّد أن "إينافور" "تسعى باستمرار لتطوير قدرتها على التّنافس من خلال الاستقدام المستمرّ للتقنيّات والتجهيزات الجديدة والتدريب المستديم لموظّفينا وعمّالنا". ويقول إن الشّركة تدرس إمكانيّة خفض التّكاليف من خلال تلزيم بعض النّشاطات الثّانويّة، كنقل العمّال وإطعامهم وصيانة الآليّات الثّقيلة. وتدرس الشّركة أيضاً إمكانات العمل في الأسواق الخارجيّة، لا سيّما تلك التي تعمل فيها "سوناطراك"، مثل اليمن، كذلك عقدت "إينافور" شراكة مع شركة الحفر الإيطاليّة "سياپم" بهدف إيجاد أسواق خارجيّة. ويؤكّد السيّد صحبي أن "إمكانيّات التّعاون مع المستثمرين الخليجيين كبيرة. فقد بدأت الاستثمارات الخليجيّة تصل إلى الجزائر، ونحن نشجّع على ذلك، سيّما وأن الجزائر بلد يملك فرصاً استثماريّة هائلة".
من الشّركات العاملة أيضاً في سوق النّفط الجزائريّة "المؤسّسة العامّة لخدمات الآبار" (إي. إن. إس. پي.) التي يتركّز نشاطها على صيانة منشآت النّفط والغاز الطّبيعي. تأسّست "إي. إن. إس. پي." في العام 1983 وتملك "سوناطراك" 51% من أسهمها، وهي تتولّى تنظيف الآبار وصيانتها وإعادة تأهيلها، ونقل النّفط والغاز، وغيرها من الأشغال التي تتولاّها بناءً على عقود مع الشّركات التي تتولّى حصريّاً التنقيب عن النّفط والغاز واستخراجهما، لا سيّما "سوناطراك"، وكذلك الشّركات النّفطيّة الأجنبيّة العاملة في الجزائر، مثل "بي. پي. ـ أموكو" و"أجيپ" و"شل". ومع أن الشّركة تستورد معظم تقنيّاتها من الخارج، فهي تُعتَبَر المؤسّسة الثّانويّة الأولى من بين مؤسّسات "سوناطراك" لأنّها في مصافّ الشّركات الأبرز في نطاق عملها في السّوق الجزائريّة.
تضمّ الشّركة شركتين ثانويّتين متخصّصتين في مجالات أشغال الإسمنت (بمشاركة الشّركة الأميركيّة بي. جاي. سيرفيسيز)، وتحفيز الآبار (بمشاركة الشّركة الأميركيّة هاليبورتون). يُذكر أن "إي. إن. إس. پي." تملك 51% من أسهم كل من الشّركتين الثانويتين. وتضمّ الشّركة أيضاً أربع وحدات شبه مستقلّة تعمل في إنتاج آلات الحفر، وخدمة الآبار واختبارها، واستخراج الموائع، وإنتاج آلات المراقبة والاختبار. ويُعتَبَر هذا التّوزيع للمهمّات من نقاط القوّة التي تميّز "إي. إن. إس. پي." عن منافساتها من الشّركات الجزائريّة والأجنبيّة. وللشّركة 36 تقنيّة مختلفة للتّعامل مع الآبار موزّعة على الشّركتين الثّانويّتين والوحدات الأربع.
يفخر السيّد عز الدّين قاسمي، المدير العام لـ "إي. إن. إس. پي."، بالخبرة الطّويلة التي اكتسبتها شركته من عملها في قطاع النّفط لحوالي عقدين وبإجمالي مردودها الذي تنامى سريعاً خلال هذه المدّة، لا سيّما بين العامين 1994 و1999 حيث قفز من 27 مليون دينار جزائري (375 ألف دولار أميركي) إلى بليون دينار جزائري (14 مليون دولار أميركي). ولا يتهيّب السيّد قاسمي كثرة المنافسين في السّوق الجزائريّة. يقول: "هناك ما يكفي من العمل للجميع. نحن نسعى إلى عقد شراكات مع شركاء أجانب لكن حين تدعو الحاجة. فنحن لا نريد أن نحقّق نموّاً مفرطاً". ويركّز على إمكانات المشاركة مع مستثمرين خليجيين، فيقول: ".لقد أرسلنا أكثر من 100 تقني جزائري إلى أبو ظبي. فالتقنيّون الجزائريّون يتميّزون بالخبرة الكبيرة التي حصلوا عليها من العمل في بلد غني بمصادره الهيدروكربونيّة المتنوّعة".
من الشّركات الثّانويّة التّابعة لـ "سوناطراك" "المؤسّسة الوطنيّة للأشغال البتروليّة الكبرى" (جي. تي. پي.) العاملة أساساً في بناء الإنشاءات اللازمة لقطاع الهيدروكربونات. كانت "جي. تي. پي." جزءاً من "سوناطراك" قبل أن تتحوّل إلى شركة قائمة بذاتها في العام 1980، لكن "سوناطراك" لا تزال تملك 15% من أسهمها. لا يزال عمل "جي. تي. پي." يتركّز على دراسة وتنفيذ المشاريع المتعلّقة بإقامة المنشآت الصّناعيّة في ميدان المحروقات والصّناعات المرتبطة بها، لكنّ الشّركة بدأت في السّنوات الأخيرة تعمل على بناء المنشآت الزّراعيّة والصّناعيّة، ومعالجة المشكلات التّقنيّة لهذه المنشآت، وفحص واستلام المواد والتّجهيزات الصّناعيّة.
تملك "جي. تي. پي." أكثر من 2600 آليّة وجهاز في مجال النّقل والحفر والرّفع والتّلحيم والبناء، وتستخدم تسعة آلاف عامل تقريباً، ويتوزّع نشاطها كما يلي: 43% للتّجميع الصّناعي (لوحدات معالجة الهيدروكربونات، والوحدات البتروكيميائيّة، ووحدات تخزين المنتجات البتروليّة وتوزيعها، وغيرها)، و25% لتمديد الأقنية، و20% للهندسة المدنيّة، و12% للصّيانة. أبرز زبائنها "سوناطراك"، التي تنال أكثر من 87% من خدمات الشّركة، فيما تذهب الخدمات الباقية إلى شركة تخزين وتوزيع المشتقّات النّفطيّة "نفتال" وشركة الكهرباء الوطنيّة "سونلغاز". وقد بلغ المردود الإجمالي للشّركة في العام 1999 160 مليون دولار أميركي، ما يجعلها أكبر الشّركات العاملة في قطاع بناء المنشآت.
وتفخر "جي. تي. پي." ببناء مصفاة حاسي مسعود ومنشآت النّفط في سكيكدة، إضافة إلى مصافٍ في موريتانيا والمغرب ومالي، وهي تهدف اليوم إلى توفير خدمات الإنشاء لزبائنها من الألف إلى الياء، أي الهندسة وتوفير البضائع والبناء، لذلك يؤكّد مديرها العام، السيّد عبد المجيد دراجي بن لكيحال، على سعيها الحثيث إلى تطوير الخبرات والإمكانيّات الماديّة اللازمة لتحقيق هذه الغاية. ولتحقيق ذلك، يقول السيّد بن لكيحال، "نريد أن نعقد شراكات طويلة الأمد. السّوق الجزائريّة تنمو باطراد. لكنّني أقول للشّركاء المحتملين تعالوا لتبقوا ولتوظّفوا أموالكم في مؤسّسة مضمونة الرّبح". لكنّه يؤكّد أن "جي. تي. پي." "لن تباع مثل معمل للإسمنت، فالمطلوب شركاء يشترون أسهماً في شركتنا أو ينشئون شركات جديدة بالمشاركة مع "جي. تي. پي.". إن في ذلك نوعاً من الخصخصة".
من الشّركات الثّانويّة التّابعة لـ "سوناطراك" "المؤسّسة الوطنيّة للهندسة المدنيّة والبناء" (جي. سي. بي.) العاملة في مجال البناء منذ تأسيسها في العام 1981. كانت "جي. سي. بي." دائرة من دوائر "سوناطراك" التي لا تزال تملك أسهمها بالكامل. وهي اليوم تقدّم خدمات الهندسة المدنيّة والبناء للشّركات العاملة في قطاع النّفط، فتتولّى أعمال الحفر الهندسيّة وبناء شبكات الأنابيب والطّرق والبنى التّحتيّة اللازمة. كذلك تقدّم خدمات في سائر القطاعات الاقتصاديّة، فتبني المنشآت والطّرق والبنى التحتيّة الصّناعيّة والهيدروليكيّة. وبفضل نمو الاستثمارات في قطاع الهيدروكربونات في التّسعينيّات، تضاعف المردود الإجمالي لـ "جي. سي. بي." أكثر من 16 مرّة خلال ذلك العقد [من حوالي 620 مليون دينار جزائري (حوالي 8،6 ملايين دولار أميركي) في العام 1990 إلى أكثر من 10 بلايين دينار جزائري (حوالي 140 مليون دولار أميركي) في العام 1998].
تأتي "سوناطراك" في طليعة زبائن "جي. سي. بي."، تليها "أجيپ" و"بي. إتش. پي" و"ريپسول" و"لويزيانا" و"أنداراكو". وتتميّز الشّركة بقسم الدّراسات التّقنيّة المتقدّم حيث يجري متخصّصون أبحاثاً في مجالي الهندسة المدنيّة وفن العمارة والطوبوغرافيا، كما يعملون على مراقبة نوعيّة الخدمات التي تقدّمها الشّركة. وللشّركة باع طولى في مجال بناء المنشآت المعدنيّة الحديثة المطلوبة في القطاع الصّناعي والمحافظة في الوقت نفسه على جماليّة المظهر الخارجي. وتفخر الشّركة بالخبرة الكبيرة التي راكمتها منذ تأسيسها، ما يجعلها موضع ثقة زبائنها الجزائريين والأجانب، إضافة إلى شركائها، مثل "شركة الغاز اليابانيّة" و"بيكتيل" و"براون أند روت إنترناشونال".
في هذا الإطار، يؤكّد السيّد عبد الحميد زرقين، المدير العام لـ "جي. سي. بي."، أن "قطاع الهيدروكربونات لا يزال يمثّل 99% من سوقنا"، لكنّه يأمل في أن يؤدّي التّحرير التّدريجي للسّوق الجزائريّة في توسيع مجالات العمل الأخرى أمام الشّركة، لا سيّما بناء السّكك الحديديّة والمرافئ، وكذلك المساكن، لا سيّما أن الجزائر بحاجة لمليوني وحدة سكنيّة. ويدعو السيّد زرقين المستثمرين الجزائريين والأجانب إلى المساهمة في "جي. سي. بي." أو إقامة شركات ثانويّة بالاشتراك معها. يقول: "نحن منفتحون على أي نوع من المشاركة ونسعى إلى طرح أكثر الصّيغ جاذبيّة للمستثمرين الرّاغبين"، ويؤكّد لهؤلاء أن "جي. سي. بي." "لم تكن يوماً بحاجة إلى أي دعم حكومي، فهي تعتمد على نفسها، بل أنّها تسدّد ديونها بنفسها". ولا يخشى السيّد زرقين من المنافسة، بل يعلن أن المردود الإجمالي للشّركة كان قليلاً حين كانت تحتكر السّوق وارتفع بشكل كبير بعد البدء بعمليّة تحرير الأسواق.