|
يتميّز السيّد أرسلان شيخاوي عن الكثيرين بفضل موقعه الذي يسمح له بالتّعليق على الظّروف الاستثماريّة في الجزائر. فهو المالك والمدير العام للوكالة الاستشاريّة "معاملات شمال ـ جنوب" التي أسّسها في العام 1993 لتوفير المعلومات والتحليلات للهيئات الحكوميّة ولشركات القطاعين الخاصّ والعامّ بهدف تمكينها من التّعامل الأفضل مع التّحوّل الصّعب إلى اقتصاد السّوق الجاري حاليّاً في الجزائر. السيّد شيخاوي أحد "زعماء الغد المستقبليين المائة" الذين اختارهم "الملتقى الاقتصادي الدّولي" في العام 1999، وهو ناشط على الصّعيد العالمي لتسويق عمليّة الإصلاح المتعددة الأبعاد التي تشهدها الجزائر. وقد التقته "الشرق الأوسط" أخيراً في الجزائر.
س:
يبدو أن الخصخصة باتت مقبولة بشكل كبير لدى صنّاع القرار في الجزائر، لكن أي خطوة أساسيّة في هذا المضمار لم تُتّخَذ بعد.
ج: من المسلّم به أن الخصخصة لم تعد أرضاً حراماً بالنّسبة للجزائريين. لقد نجح الرّئيس بوتفليقة في تحقيق ذلك. لكن من النّاحية العمليّة، لم تبدأ عمليّة الخصخصة فيما يخص الشّركات الحكوميّة الكبرى بعد لسببين: الأول، الارتفاع النّسبي لأسعار النّفط العالميّة الذي خفّف الضّغط على ميزان المدفوعات الحكومي وأضعف بالتّالي بعضاً من الحافز باتّجاه السّير بالبرنامج الشّديد الصّعوبة. وذلك يقودني إلى السّبب الثّاني. فالجزائر لا تزال تعاني من بعض الاضطرابات السّياسيّة والسّلطات لا تزال قلقة من النّتائج المباشرة لهذا الوضع على الظّروف الاجتماعيّة، وهي ليست ظروف متفجّرة، لكنّ عدم الاستقرار لا يزال كامناً فيها. لذلك لا بدّ من طرح السّؤال التّالي: إن انهمكنا في خصخصة الشّركات الحكوميّة، هل سيكون لذلك تأثير في الظّروف الاجتماعيّة أم لا؟ جوابي هو نعم.
برأيي، ستؤدي الخصخصة في الجزائر إلى تصفية الشّركات الحكوميّة أكثر من خصخصتها. فهذه الشّركات غير مربحة ومتقادمة، وفي عصر العولمة وتحرير السّوق، أكل الدّهر وشرب على إدارة هذه الشّركات وأساليب التّسويق المعتمدة فيها وحتى منتجاتها. وبما أن النّفط والغاز يشكّلان 98% من صادراتنا، لم نبتكر مصدراً بديلاَ للثّروة يمكن أن يستوعب المستوى العالي للبطالة في الوقت الحاضر أو يواجه فوائض اليد العاملة النّاتجة عن الخصخصة والتّصفية.
لو أردنا الحصول على اقتصاد سليم والحد من البطالة وتحقيق نمو بمقدار ما بين 5% و7% لكي نمتصّ العمالة المتزايدة التي تتدفّق إلى السّوق كلّ سنة، لا بدّ لنا من بناء اقتصاد جديد يعتمد على مصدر جديد للثّروة خارج قطاع الهيدروكربونات.
س:
أليست الخصخصة أساس الاقتصاد الجديد الذي تتحدّث عنه؟
ج:
طبعاً. لا يمكن للدّولة القيام بالمهمّة المذكورة. عليها أن تضع الإطار الضّروري لتطوير اقتصاد مواز لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القطاع الخاصّ. فالجزائر تملك فرصاً هائلةً يمكن لها أن تولّد الثّروة وتخلق فرص عملٍ جديدة. كذلك يحتاج البلد إلى شيء واحد: استعادة ثقة المستثمر. علينا أن نضع إطاراً استثماريّاً مؤاتياً عبر تطوير الاتّصالات والزّراعة والبنية التّحتيّة. ومن النّاحية التّنظيميّة، على الحكومة أن تضع تشريعات تمنع التّمييز بين المستثمرين المحليين والأجانب وتحرّر متطلّبات إنشاء الشّركات في الجزائر وغير ذلك. أنا أرى أن الجزائر ستقوم بذلك لأن علينا أن نتأقلم مع الظّروف الدوليّة، فنحن لو وقفنا بوجه هذه الظّروف، سيوظّف مستثمرونا أموالهم في الدّول المجاورة التي توفّر فرصاً وأطراً مناسبةً للاستثمار. وسواء كان الاستثمار صغيراً أو متوسّطاً، أو أجنبياً أو محليّاً، لا يجب أن تعرقله البيروقراطيّة. لذلك تسعى الحكومة اليوم إلى أن تخلق مناخ الثّقة اللازم لاجتذاب المستثمرين، وهذا المسعى من أولويّات الرّئيس بوتفليقة. من الصّعب تغيير العقليّات بين ليلة وضحاها في الجزائر، الدّولة التي اعتمدت لمدّة طويلة نظاماً احتكاريّاً كانت فيه الدّولة المساهم الوحيد، والمنتج الوحيد، والمستثمر الوحيد. أظنّ أنّه من المحتّم على هذه العقليّة أن تتغيّر بفضل تأثير المستثمرين الأجانب الآتين إلى الجزائر.
س:
يتلخّص الموقف الرّسمي الجزائري إزاء المستثمرين الأجانب فيما يخصّ الأزمة الأمنيّة في البلاد في أن الموضوع انتهى عموماً. ما رأيك بالنّسبة لهذا الموضوع؟
ج:
لقد تغيّر الوضع السّياسي بشكل دراماتيكي، لكنّه ليس مستقرّاً 100%. لقد بدأت المؤسّسات السّياسيّة المنشأة حديثاً بالوصول إلى مستوى من الاستقرار، وهي تتفهّم مبادئ الدّيموقراطيّة. كذلك سمح الوئام المدني الذي حقّقه الرّئيس بوتفليقة بتحسين الوضع الأمني. لكن هذا لا يعني أننا تخلّصنا تماماً من الإرهاب. معلوم أن الاستقرار الأمني والسّياسي مرتبطٌ بالاقتصاد. فعندما يكون لديك أربعة ملايين عاطل عن العمل، و75% من السكّان تحت الثّلاثين سنة دون أن تكون لهم وظائف ومساكن جاهزة، تتراكم الإحباطات وتهدّد الاستقرار الاجتماعي. كذلك تعتمد عمليّة التحوّل في الجزائر على العسكر الذين حرّروا البلاد قبل 30 سنة. لا يمكنك الادّعاء بأن المؤسّسة العسكريّة ستوافق، وأن العسكر سيغلقون عيونهم، ويقبلون بكلّ شيء، لا سيّما تغيير أنفسهم، ويسمحون بانفتاح كلّ شيء. فالقرارات السّياسيّة والاقتصاديّة تؤثّر مباشرةً في العسكر، لا سيّما بسبب ماضينا الأوتوقراطي. لذلك حين أقول إن العمليّة شاملة، أعني أنّها تطاول المؤسّسات السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بما فيها الجيش.
س:
هل يؤثّر ذلك في سرعة الإصلاح؟
ج:
أظن ذلك. ما ينقصنا اليوم الجرأة السّياسيّة لنقول: "حسناً، هذا هو الوضع وهذا ما سنقوم به". يمكنني أن أتفهّم الوضع نوعاً ما لأنّنا خارجون من حرب أهليّة. لو كنت في موقع القرار، هل كنت لأملك الشّجاعة للمضي في الإصلاح؟ سأحاول أن أشرح فكرتي بطريقة أخرى. يعرف الجميع أن الطّريق الذي يجب علينا السّير عليه محتوم، وأن الهدف بسيط ويتمثّل في تحقيق اقتصاد حرّ تماماً، وأن العمليّة لا يمكن عكسها، وأن الظروف الدّوليّة لا تسمح لنا بالبقاء متخلّفين عن سائر العالم. نحن ملتزمون هذه العمليّة. فالسّياسيّون وصنّاع القرار الجزائريين يفهمون أن علينا التقدّم نحو ليبراليّة مقوننة ومنظّمة، وليس نحو ليبراليّة مماتة، لذلك المطلوب ظروف سياسيّة مستقرّة.
س:
ما الذي تقوله للمستثمرين الأجانب الذين يفكّرون بالمجيء إلى الجزائر؟
ج:
اخترت البقاء في الجزائر خلال أصعب الظّروف وذلك لسبب واحد هو إيماني بأن هذا البلد يملك إمكانات هائلة. لن أكون صادقاً لو قلت إنني هنا لا لأكسب المال. فكلّ رجل أعمال أو مدير شركة يهمّه توسيع سوقه وزيادة مردود أعماله، وهذا بالذّات ما يمكنك أن تفعله هنا. فالسّوق الجزائريّة كبيرة ويمكن لأي مستثمر أن يجد اليوم الفرصة التي تهمّه. كذلك تملك البلاد يداً عاملة حسنة التّدريب ورخيصة جداً بحسب المقاييس العالميّة. ولا يمكن العثور على الميزات النسبيّة التي تقدّمها الجزائر في أي مكان آخر. ومع مجيء مستثمر أجنبي جديد إلى الجزائر، يطرأ مزيد من التحسّن على الظّروف الاقتصاديّة لأن المستثمر سيجلب معه خبرته، وتقنيّته، وبالطّبع رأسماله.
|