عمليّة إعادة تنظيم الصّناعة في الجزائر كانت وستبقى عمليّة مؤلمة. لكن القطاع الصّناعي، أكبر القطاعات من حيث نسبة اليد العاملة، يبقى أفضل أداة لتحقيق الدّخل خارج قطاع الهيدروكربونات ولجذب الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة.

في اعتقاد أصحاب القرار المركزيين في الجزائر أن الصّناعات غير الهيدروكربونيّة يمكن أن تصبح دينامو الاقتصاد في البلاد، وأن تضع في نهاية المطاف حدّاً لاعتماد الجزائر على الواردات واتّكالها المفرط على صادرات النّفط والغاز. فقد خصّصت الموازنات المتعاقبة في السّبعينيّات والثّمانينيّات الكثير من واردات النّفط لبناء مجمّعات للصّناعة الثّقيلة. وكانت النّتيجة قطاعاً صناعيّاً واسع القاعدة تسيطر عليه مؤسّسات حكوميّة كبيرة، تنتج ما بين 70 و80% من المنتجات الصّناعيّة وتوظّف 400 ألف شخص. أبرز الصّناعات الجزائريّة صناعات الحديد والصّلب، والمأكولات، والمواد الصّيدلانيّة، والأنسجة، والإسمنت، والأدوات الكهروميكانيكيّة.
لقد نجح التّخطيط المركزي والتّمويل الحكومي في تحقيق تطوّر سريع للقاعدة الصّناعيّة في البلاد. لكنّ تطوّرات العقدين الأخيرين رفعت النّقاب عن الجوانب السّلبيّة وغير المنتجة لهذه السّياسة، بحيث "بات التحدّي أمام الصّناعة الجزائريّة أن تبقى حيّة أو تموت"، على حدّ قول وزير الصّناعة وإعادة التّنظيم الجزائري، السيّد عبد المجيد مناصرة.
سدّد الرّكود الاقتصادي طعنة نجلاء للشّركات الصّناعيّة الحكوميّة بسبب الحماية من المنافسة التي توافرت لهذه المؤسّسات، واعتمادها الكبير على الأسواق الخارجيّة لشراء الموادّ الخام، ومعاناتها من الإدارة غير الفعّالة، وقد أدّى الرّكود إلى تراجع متتالٍ لقيمة صرف الدّينار الجزائري وارتفاعٍ موازٍ لمعدّلات الفائدة في ظلّ السّياسة الماليّة المتشدّدة للمصرف المركزي. وتفاقم الوضع خلال الحرب الأهليّة في التّسعينيّات التي عرقلت الكثير من الأهداف الإنتاجيّة في عدد من القطاعات الاقتصاديّة، وقلّصت فرص حصول الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة على استثمارات أو شراكات أجنبيّة تساعدها على تحديث عملها وإعادة تنظيمه.
وكانت النّتيجة تراجعاً في الإنتاج لأكثر من عقد. فقد انخفض إنتاج الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة حوالي 9% في العام 1996، واليوم تعمل هذه الشّركات بنصف طاقتها تقريباً. فهي تعتمد على القروض التي تمدّها بها المصارف الحكوميّة، وتعاني من فائض في اليد العاملة، وتتسبّب بنفقات عامّة كبيرة، لذلك هي اليوم على رأس اهتمامات الحكومة التي تسعى إلى إعادة تنظيمها بهدف بيعها إلى القطاع الخاص في نهاية المطاف.
ومع أن وتيرة إعادة التّنظيم تعاني بعض البطء بسبب عدم رغبة الحكومة في مواجهة أعداد كبيرة من المفصولين من أعمالهم، فقد تمّ تحقيق بعض التقدّم. ففي العام 1996، أعطت الحكومة شركاتها الصّناعيّة استقلاليّة إداريّة تحت مظلّة 11 شركة قابضة، تخصّصت كلّ واحدة منها في مجال صناعي معيّن. وبعدما ضُغِطَت في العام 2000 إلى خمس، باتت هذه الشّركات تملك مسؤوليّات إداريّة واسعة تهدف إلى تحضير الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة للخصخصة. وقد تمّت تصفية الكثير من هذه الشّركات أو دمجها في شركات أكبر بسبب عدم إنتاجيّتها، بينما تمّ تنفيذ مخطّطات مختلفة للتّصحيح المالي في كثير من الشّركات الأخرى، وتضمّنت الإجراءات تبادلاً لسندات الدّين، وإلغاءً لبعض الدّيون، وإعادة تنظيم للهيكليّة الماليّة، وضخّاً لأموال طائلة. وفي بعض القطاعات، تحمّلت الحكومة وزر خسارة عدد من الموظّفين والعمّال لوظائفهم. فمجمّع "الحجّار" للصّلب، أكبر مصانع الجزائر، كان يستخدم 22 ألف شخص في العام 1998، لكن بحسب الوزير مناصرة، "تمّ فصل نصفهم دون أن يؤثّر ذلك في حجم الإنتاج".
وعلى الرّغم من استمرار المشكلات فيها، تسعى الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة إلى الاستفادة من الاستقلاليّة الإداريّة التي تتمتّع بها لتحسين أوضاعها الماليّة بحيث تصبح جذّابة للمستثمرين في حال عُرِضَت للخصخصة. فالشّركة الحكوميّة "الرياض الجزائر" العاملة في مجال المصنوعات الغذائيّة ـ الزّراعيّة، أكبر مجالات الصّناعة في الجزائر، والمنتجة الرّئيسيّة للطّحين والخميرة والسّميد والبسكويت والشوكولاته، تخضع منذ فترة لعمليّة إعادة هيكلة بهدف تحسين الفعاليّة وزيادة الصّادرات. وفي العام 1999، حقّقت الشّركة أرباحاً بمقدار 150 مليون دينار جزائري (مليوني دولار أميركي)، فيما بلغ مجمل أعمالها 19 بليون دينار جزائري (264 مليون دولار أميركي). ويحضّر السيّد سعيد مزيدي، المدير العام لـ "الرياض الجزائر"، شركته لعرض أسهمها في بورصة الجزائر مع حلول العام 2002، ويعمل كذلك على تطبيق الإجراءات اللازمة للحصول على رخصة من "المنظّمة الدوليّة للمقاييس" (آيزو). ويضيف: "الهدف من وراء هذه التّغييرات التّحضير لفترة ما بعد رفع الحواجز الجمركيّة بين الجزائر والاتّحاد الأوروبي. يجب علينا أن نمتلك القدرة على المنافسة وإلا فلن نتمكّن من البقاء على قيد الحياة".

من ناحيتها، تصنّع الشّركة الحكوميّة "أنابيب" الأنابيب التي تدخل في القطاعات الهيدروليكيّة والهيدروكربونيّة لنقل المياه والغاز والنّفط. وهي تنتج أيضاً بعض التجهيزات الزّراعيّة، لا سيّما أنابيب الريّ. وكمعظم الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة في الجزائر، تسعى "أنابيب" إلى اجتذاب الاستثمارات الخاصّة لكي تتمكّن من تطوير تجهيزاتها الصّناعيّة وزيادة قدرتها الإنتاجيّة لكي تتمكّن من مواجهة المنافسة الأجنبيّة بعدما تنفتح الجزائر على الأسواق الأجنبيّة. "أنابيب" أكبر الشّركات المصنّعة للأنابيب في المغرب العربي، وهي تتألّف من ستّ وحدات تصنع أنابيب بعدّة قياسات، ومن موادّ متنوّعة، وعبر وسائل صناعيّة مختلفة، وقد تمكّنت الشّركة من زيادة مجمل أعمالها من 4650 مليون دينار جزائري (65 مليون دولار أميركي) في العام 1995 إلى 5753 مليون دينار جزائري (80 مليون دولار أميركي) في العام 1999. ويقول مديرها العام عبد القادر رحّال إن لديه الخطط لبيع منتجاته في دول الشّرق الأوسط وأفريقيا الشّماليّة حيث الطّلب كبير على الأنابيب اللازمة للقطاعات الهيدروليكيّة والهيدروكبونيّة والزّراعيّة. يقول: "يشهد السّوقان المحلّي والخارجي طلباً متزايداً على منتجاتنا، فالاستثمار في شركتنا مضمون، لذلك أدعو المستثمرين الأجانب إلى اغتنام الفرصة السّانحة حاليّاً".
من بين الشّركات الحكوميّة تبرز كذلك "أسمدال"، أكبر منتج للأسمدة الفوسفاتيّة، والأسمدة النيتروجينيّة، والأمونيا في الجزائر. وهذه المنتجات ضروريّة لزراعة أشجار الفواكه والكروم والحبوب وغيرها من المنتجات الزّراعيّة. بدأت الشّركة حياتها شركة ثانويّة تابعة لسوناطراك، بيد أنّها نالت استقلالها التام في العام 1984، وهي تصدّر نصف إنتاجها، وتبحث عن استثمارات خاصّة لتتمكّن من زيادة إنتاجها وصادراتها من خلال إعادة تأهيل المعامل الحاليّة أو بناء معامل إضافيّة. تتميّز الشّركة عن مثيلاتها في سائر الدّول بتوافر الموادّ الأوليّة اللازمة بغزارة وبأسعار متدنيّة، كذلك تملك الشّركة خبرة طويلة في مجالها، وهي موجودة في بلد قريب من الاتّحاد الأوروبي، وقد بلغ إجمالي إنتاجها في العام 1999 مليون طن من الأمونيا، و825 ألف طن من نيترات الأمونيوم ، و550 ألف طن من الأسمدة الفوسفاتيّة، فيما بلغ إجمالي أعمالها 12 بليون دينار جزائري (167 مليون دولار أميركي). وبحسب المدير العام لـ "أسمدال"، السيّد حسين ميتوشي، تعمل الشّركة على إعادة هيكلة وضعها المالي، فقد فصلت عدداً كبيراً من عمّالها الفائضين وتمكّنت من تحقيق نموّ بلغ ما بين 30% و35% خلال السنوات الخمس الماضية. ويضيف: "نبحث عن زبائن جدد في الاتّحاد الأوروبي والهند والصّين"، مؤكّداً أن الشّراكات التي تريد شركته عقدها مع مستثمرين من القطاع الخاصّ "ضروريّة لمساعدة الشّركة على توسيع أعمالها".
ويرحّب السيّد مناصرة بالتوجّه إلى الاستثمارات الخاصّة لدى الشّركات الصّناعيّة الحكوميّة. يقول: "فيما نعقد اتّفاقات مع منظّمة التّجارة العالميّة والاتّحاد الأوروبي والسّوق العربيّة المشتركة، ستكون المنافسة هائلة". من الأمثلة الحديثة على الشّركات الخاصّة المنافسة للصّناعة المحليّة في الجزائر شركة "هونيويل" العالميّة، فهذه الشّركة الصّناعيّة العملاقة، التي تقدّر أصولها بـ 24 بليون دولار أميركي، بدأت بالتّصدير إلى الجزائر وفتحت مكتباً تمثيلياً في البلاد برئاسة السيّد مجيد عبّاس تركي للإشراف على توسيع أعمالها هناك. يقول السيّد مناصرة: "تحتاج الصّناعة الجزائريّة إلى الحدّ من كلفة الإنتاج، ورفع مستوى النّوعيّة، والالتزام بالمعايير الدّوليّة، والوصول إلى المستهلك بأسرع الوسائل. فالتّحدّي ليس مجرّد أن نحتفظ بالسّوق المحليّة بل كذلك السّعي وراء أسواق عالميّة جديدة".
وتعقد الحكومة آمالاً كبيرة على القطاع الصّناعي الخاصّ، فقبل أن تُطلِق الجزائر خطّة الإصلاح الاقتصادي في بداية التّسعينيّات، لم تكن الصّناعات الخاصّة ممنوعة، لكنّها واجهت تمييزاً حكوميّاً شديداً إزاءها. فقد استُثنِي القطاع من التّمويل الحكومي؛ وحُجِبَت عنه رخص الاستيراد، فكان على المعامل الخاصّة شراء موادّها الخام من المعامل الحكوميّة المنافسة لها؛ ومُنِعت شركاته من شراء أراضٍ في المناطق المصنّفة صناعيّة.
في ظلّ هذه الظّروف، كان بقاء الصّناعات الخاصّة إنجازاً يشبه المعجزة. واليوم، بعدما باتت السّياسات الرّسميّة المناهضة للصّناعات الخاصّة ماضياً لا مجال للعودة إليه، تحقّق الصّناعات الخاصّة إنجازات كبيرة. فمع أن هذه الصّناعات لا تزال صغيرة نسبيّاً، فالفضل يعود إليها في ما يخصّ الأرباح الكبيرة التي حقّقها القطاع الصّناعي الجزائري. وبحسب أرقام وزارة الصّناعة وإعادة التّنظيم لم يتجاوز نمو إجمالي الأعمال بين العامين 1998 و1999 في القطاع الصّناعي العام مستوى الـ 0،4%، بينما بلغ في القطاع الصّناعي الخاص 27%. فالمصانع الخاصّة الصّغيرة والمتوسّطة الـ 150 ألفاً أنشط من منافساتها الحكوميّة المثقلة بالدّيون واليد العاملة الفائضة، وهي تبحث بشكل متزايد عن أسواق خارجيّة وشركاء أجانب، بهدف تجاوز الصّعوبات النّاجمة عن الظّروف المحليّة.
هناك أمثلة عديدة على النّجاحات التي تحقّقها الصّناعات الخاصّة (راجع الإطار). فعلى سبيل المثال، حقّقت شركة "بيلكول"، المصنّعة للمواد الصّناعيّة اللاصقة، مكانة مميّزة في القطاع الصّناعي الجزائري، فهي أكبر الشّركات على الإطلاق في مجالها. تأسّست هذه الشّركة في العام 1968، وهي تملك اليوم أسواقاً في أفريقيا وأوروبا والشّرق الأوسط، وتمتدّ مصانعها اليوم على مساحة 10 آلاف متر مربّع، فيما يبلغ إجمالي قدرتها الإنتاجيّة السّنويّة 200 ألف طن، وهي تنتج أكثر من 300 صنف من اللواصق. ويقول مالكها ومديرها العام السيّد مختار بلحاج أن شركته ستحصل على رخصة من "المنظّمة الدوليّة للمقاييس" (آيزو) قبل نهاية العام 2001، وهو يمضي معظم وقته متنقّلاً بين الدّول الخارجيّة، سعياً وراء أسواق جديدة وشركاء محتملين.

ومن الشّركات الصّناعيّة الخاصّة التي حقّقت نجاحات لافتة "شركة التّبريد وتكييف الهواء". تأسّست الشّركة في العام 1975 من خمسة موظّفين فقط، لكنّها اليوم أكبر الشّركات في مجالها، فهي تستخدم أكثر من 450 موظّفاً وعاملاً، وتوفّر وحدات تبريد، ومكيّفات، وتجهيزات مصمّمة بحسب الطّلب لصناعات المأكولات والمشروبات، وهي كلّها مصنّعة أو مجمّعة محليّاً. ومن خلال إنتاج بضائعها محليّاً، والقيام بكلّ العمليّات التّقنيّة وتوفير خدمات الصّيانة، تمكّنت الشّركة من اجتذاب أكبر الزّبائن في البلاد، لا سيّما في القطاع الاستشفائي، والوزارات، والصّناعات الكبيرة. وهي تسعى اليوم إلى اجتذاب شركاء أو مستثمرين أجانب بسبب صعوبة الحصول على المزيد من الاستثمارات المحليّة. يقول مؤسس الشّركة ومديرها العام السيّد رشيد بن منصور إنّه يسعى إلى رفع مستوى وسائل الإنتاج في الشّركة لمواجهة المنافسة المتزايدة من قبل المستوردين ولتوسيع أعماله. يقول: "من النّاحية التّقنيّة، نحن السّادة في قطاعنا. لكنّنا نحتاج مصرفيّاً أو شريكاً جديّاً لكي نبدأ بإنتاج المنتجات غير الموجودة في الجزائر".
وتبرز كذلك شركة "المخبر الصّيدلاني الجزائري" (إل. پي. آي.)، التي نشأت في التّسعينيّات بعد توقّف السّياسات الحكوميّة المناهضة للصّناعات الخاصّة. وقد بدأت "إل. پي. آي." حياتها مستورِدة للموادّ الصّيدلانيّة، بيد أنّها ما لبثت أن تحوّلت سريعاً إلى الإنتاج، فحجم الاستثمار فيها يبلغ اليوم 60 مليون دولاراً أميركيّاً. وفيما تبدي السّوق المحليّة إقبالاً على منتجات "إل. پي. آي."، تملك الشّركة رخصاً لإنتاج عقاقير أوروبيّة وأميركيّة، وهي في الواقع شركة مشتركة بين شركاء جزائريين والشّركات الأوروبيّة الصّيدلانيّة "سميثكلاين بييكهام" و"بيوشيمي" و"إل. دي. پي.). وفي العام 1999، بلغ رأسمال الشّركة، 1،1 بليون دينار جزائري (حوالي 15 مليون دولار أميركي)، وعدد العاملين 500 شخص تقريباً، وإجمالي حجم الأعمال 4،4 بلايين دينار جزائري (حوالي 61 مليون دولار أميركي). يقول المدير العام للشّركة السيّد رفيق مرسلي، إن الشّركة، "ما أن تتمكّن من تلبية معظم الحاجة المحليّة، ستسعى إلى تصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجيّة". ويضيف: "طموحنا أن نتمكّن يوماً من بيع عقاقيرنا في الأسواق العربيّة ثمّ الآسيويّة". وفيما لا يبدي السيّد مرسلي اهتماماً بخطط الحكومة لخصخصة شركاتها الطّبيّة بسبب تقدّم شركته تكنولوجيّاً على هذه الشّركات، يؤكّد سعيه إلى عقد شراكات مع مؤسّسات صيدلانيّة أجنبيّة.