|
في تطوّر منتظر منذ زمن طويل، يسعى وزير الطّاقة الجزائري إلى الفصل بين الدّولة و"سوناطراك"، وإزالة كلّ الضّمانات الحكوميّة لقروض الشّركة، وإنشاء شركتي وساطة مستقلّتين. ويُتَوَقّع لهذه الإصلاحات أن تضفي تحوّلات دائمة على قطاع الهيدروكربونات.
من الشّائع في الجزائر أن الشّركة الحكوميّة "سوناطراك" والشّركات الثّانويّة التّابعة لها، والتي تشكّل مجتمعة قطاع الهيدروكربونات في البلاد، ساهمت في إبقاء الجزائر على قيد الحياة خلال فترة الأزمة الأهليّة. فحين اضطرّت الأزمة المستثمرين إلى مغادرة البلاد والمصانع المحلّيّة إلى إقفال أبوابها أو خفض إنتاجها بشكل كبير، حافظت "سوناطراك"، أكبر شركات الجزائر، على إنتاجها وضخّها للنّفط والغاز إلى الأسواق الأوروبيّة وغيرها من الأسواق فأضحت مصدر البلاد الوحيد من العملة الصّعبة.
لكن وزير الطّاقة والمناجم، الدّكتور شكيب خليل، يرى أن "سوناطراك"، على الرّغم من هذا النّشاط العالي، لم تتمكّن من أن تحقّق أقصى قدراتها بسبب ارتباطها الوثيق بالدّولة. فهو يرى أن ""سوناطراك" لا تزال أساساً شركة حكوميّة، أي أنّها عملت لمدّة طويلة في ظلّ نظام لم يقدّم أيّ حوافز للتطوّر. فهي كانت تنتج منتجاً معيّناً بكلفة محدّدة، وكان المال المتبقّي يذهب إلى الحكومة، دون أن يكون هناك حافز للحدّ من الكلفة".
ويضيف أن "سوناطراك"، بسبب كونها مؤسّسة حكوميّة، كانت تعاني أيضاً الشّكوك التي تصاحب الموازنات الحكوميّة. فعلى عكس "بي
.پي ـ أموكو" أو "شل" اللتين تضعان استراتيجيّتهما التّوسّعيّة والاستثماريّة للثّلاثين سنة المقبلة، لم تتمكّن "سوناطراك" من التّخطيط على المدى الطّويل لعدم معرفتها بالموارد التي ستتوافر لها سنة بعد سنة. وبحسب الدّكتور خليل، "لا يمكنك القيام بهذه الخطوة في قطاع الهيدروكربونات". وهناك أيضاً مسألة الأجور، فمقارنة بسائر الشّركات النّفطيّة العالميّة، يبدو الفارق في الأجور كالفارق بين "الليل والنّهار"، كما يقول الوزير، مضيفاً "أنّك في وضع مثل هذا لا تقدر أن تحتفظ بأصحاب الموهبة والخبرة والكفاءة لمدّة طويلة. فما أن يحصّلوا خبرة جيّدة حتّى ينتقلوا إلى القطاع الخاصّ أو يغادروا البلاد. إذن عانت "سوناطراك" من هذه العقبات والقيود، لكنّها على الرّغم من ذلك، قامت بعمل جبّار. فقد زادت إنتاجها، وأنشأت شركة تجاريّة في لندن وشركة بتروكيميائيّة في إسبانيا، وحصلت على امتياز في اليمن، وتتفاوض على امتياز في العراق والبيرو. تخيّل إذن ما يمكن لـ "سوناطراك" أن تحقّقه لو تحوّلت إلى شركة مشابهة لـ "بي
.پي" أو "إكسكسون"".
هذه خطّة الوزير. فبناء على رؤيته التي تقتضي إعادة تنظيم البنية الإداريّة للقطاع، ينوي الدّكتور خليل الفصل بين دوري الدّولة و"سوناطراك". "أريد لـ "سوناطراك" أن تصبح مؤسسة تجاريّة بكلّ ما للكلمة من معنى".
تتألّف هذه الخطّة من عدّة مراحل. وبحسب الخطّة، لن تُلقى "سوناطراك"، التي يحيطها الجزائريّون بهالة من القداسة، بين أيدي القطاع الخاصّ. لكن المرحلة الأولى من الخطّة الإصلاحيّة تقتضي تجريد الشّركة من الصّلاحيّات التي يجب أن تمارسها الدّولة لوحدها. وبحسب الخطوة الأهم سيتمّ إنشاء وكالتين مستقلّتين، تقوم الأولى بإجراء العقود وتنظيم القطاع ومراقبته وتحديد ضرائبه، فيما تراقب الثّانية حسن تطبيق الأنظمة البيئيّة والصّحّيّة والأمنيّة. ففي الوقت الرّاهن، تقوم "سوناطراك" بكلّ المهمّات المذكورة، ما يشكّل تضارباً في المصالح. فالقانون يفرض على شركات النّفط الأجنبيّة أن تعمل بالمشاركة مع الشّركة الحكوميّة، لذلك يصعب تحديد ما إذا كانت "سوناطراك" مالكاً يحمي ممتلكاته أو شريكاً يمكن العمل معه.
وإلى جانب المساواة بين "سوناطراك" وسائر شركات النّفط العاملة في الجزائر، سيحقّق الإصلاح العتيد للشّركة وضعاً تجاريّاً أسلم من وضعها الحالي. فبما أن أرباح "سوناطراك" ستعتمد على العقود التي تتوصّل إليها الشّركة، لن يكون على الشّركة بعد ذلك أن تتساوم مع لجنة الموازنة الحكوميّة كلّ عام وسيكون بإمكانها أن تخطّط على المدى البعيد. كذلك يعتقد الوزير أن العمل على أساس العقود سيشجّع "سوناطراك" على تحسين فعاليّتها لناحية كلفة الإنتاج، سيّما وأنّها ستخضع للضّرائب. يقول الدّكتور خليل: "لهذا الأمر أهميّة كبرى بالنّسبة للدّولة. فمن خلال الضّرائب، سأجعل الشّركة أكثر فعاليّة لأنّني سأعطيها حافزاً لزيادة أرباحها".
الواضح أن الوزير يسعى إلى جعل الوكالتين العتيدتين مستقلّتين ماليّاً عن الدّولة. والإصلاح الأهم سيكون منح الوكالتين الصّلاحيّة لفرض رسوم على الشّركات المستفيدة من خدماتهما. ولن يوفّر الاستقلال المالي للوكالتين على الحكومة بعضاً من أعبائها الماليّة فحسب، بل سيمكّن الوكالتين من استخدام موارد بشريّة متخصّصة تساهم في زيادة فعاليّتهما، كذلك سيوفّر للوكالتين ما تحتاجانه من الاستقلال لتطبيق التّنظيمات المناسبة.
تستوجب الخطوة التّالية خصخصة "سوناطراك" جزئيّاً. ومع أن الدّكتور خليل يقول بوضوح إن الدّولة تريد الاحتفاظ بمعظم أسهم "سوناطراك"، فهو يؤكّد بالمقابل أنّه يسعى إلى تمكين الشّركة من إدراج أسهمها في أسواق الأسهم العالميّة. يقول: "يعني هذا أن "سوناطراك"، بدلاً من أن توقع الحكومة تحت مديونيّة، ستتمكّن من استخدام رأسمالها المهمل خلال الأربعين سنة الماضية والذي لم يفكّر أحد في استخدامه إلى الآن. وهكذا، إن أرادت "سوناطراك" أن تقوم بعمليّة تجاريّة في المستقبل، ستكون لها كلّ الأدوات المتوفّرة لأي شركة خاصّة: ستتمكّن من أن تبيع أسهماً، أو تصدر سندات، أو تتبنّى أي آلية تمويل أخرى". وبحسب الوزير، ستستفيد وزارته من هذا التّرتيب، فهي ستتمكّن من التخلّص من كلّ الضّمانات الحكوميّة لقروض "سوناطراك". ويضيف الدّكتور خليل: "تصرف الحكومة حاليّاً 40% من إيرادات الصّادرات النّفطيّة والغازيّة لتغطية خدمة الدّين، لذلك لا أريد للحكومة أن تضمن أي تمويل في قطاعي. فمن يريد أن يقرض "سوناطراك"، عليه أن يقوم بذلك دون ضمانات حكوميّة. كذلك أقول لكلّ الذين عملوا مع "سوناطراك" كموفّرين للخدمات أو منشئين لها، لقد انتهى زمن توفير الخدمات، فقد أصبحتم شركاء، تأتون بأموالكم وتقومون بمشاريع مع "سوناطراك". نريدكم أن تأتوا، سواء كنتم كنديين أو يابانيين أو من أي جنسيّة. ضعوا أموالكم مع "سوناطراك"، وقوموا بمشروع معها، واقبضوا من أرباح المشروع".
|