بعدما كانت المصارف الجزائريّة الوحيدة على السّاحة، بات عليها أن تتعلّم شروط المنافسة في السّوق الحرّة.

مثّلت المصارف الجزائريّة خلال السّنوات الأخيرة أحد أكثر قطاعات الاقتصاد الجزائري إشكاليّة. فلطالما اعتُبِرَت هذه المؤسّسات الذّراع الماليّة للاقتصاد المركزي، لذلك فرضت السّياسات التّنمويّة بعد الاستقلال وجوب امتلاك الدّولة للمصارف ومنعت على المصارف الاستقلاليّة التّجاريّة أو المنافسة الخارجيّة، وجعلت مهمّتها الأساسيّة تقديم القروض آليّاً للمؤسّسات المملوكة من الدّولة. وحين بدأ الرّكود الاقتصادي الطّويل الأمد في الجزائر في منتصف الثّمانينيّات، استمرّت المصارف في تقديم الدّعم المالي للمؤسّسات الحكوميّة، على الرّغم من أن معظم هذه المؤسّسات كان يسجّل خسائر كبيرة، ما أفقد المصارف مصداقيّتها الماليّة. لكنّ الوضع تغيّر اليوم، مع أن نتائج عقود من السّيطرة المركزيّة كانت أصعب من أن تُعالَج بسرعة.
لا يزال القطاع المصرفي بمعظمه مملوكاً من الدّولة وخاضعاً لسيطرة ثلاث مؤسّسات تجاريّة رئيسيّة: "البنك الوطني الجزائري" (بي. إن. آي.)، و"بنك الجزائر الخارجي" (بي. إي. آي.)، و"القرض الشّعبي الجزائري" (سي. پي. آي.). ومن بين المصارف التّجاريّة الحكوميّة الأخرى في البلاد "بنك التّنمية الجزائري" (بي. آي. دي.) الذي يخضع حاليّاً لإعادة الهيكلة، و"الصّندوق الوطني للادّخار والتّعاون" الذي يُعتَبَر المصرف الوطني للتّوفير. وفي الثّمانينيّات، عملت الحكومة على إنشاء مصارف بهدف توفير القروض لقطاعات محدّدة من الاقتصاد الجزائري، منها "بنك الزّراعة والتّنمية الرّيفيّة" (بي. دي. آي. آر.) و"بنك التّنمية المحلّيّة" (بي. دي. إل.).
ولمواجهة المشكلات المتفاقمة في القطاع المصرفي، صدر في العام 1990 قانون جديد لإدارة الأموال والقروض نال بموجبه "بنك الجزائر"، أي المصرف المركزي، استقلاليّة إجرائيّة والسّلطة اللازمة للإشراف على إصلاح القطاع وتنظيمه. وكان أبرز متطلّبات إصلاح المصارف إيجاد حلول للقروض الهالكة الكبيرة الحجم التي منحتها للمؤسّسات الحكوميّة غير المنتجة. ونتيجة لذلك، عرفت المصارف الحكوميّة تدفّقاً ماليّاً كبيراً خلال التّسعينيّات بفضل تطبيق الحكومة لإجراءات إعادة الرّسملة وشراء القروض مقابل أكلاف أرهقت الخزينة. ويقدّر "صندوق النّقد الدّولي" (آي. إم. إف.) أن هذه الإجراءات استهلكت 45% من إجمالي النّاتج المحلّي بين العامين 1991 و1999. وبسبب تراجع أسعار النّفط وإعادة الهيكلة المستمرّة للقطاع الصّناعي، لم تتمكّن الخزينة من إتمام إجراءاتها المتعلّقة بالقطاع النّفطي. وبحسب السيّد عبد الوهّاب كيراماني، حاكم المصرف المركزي، لم يتمكّن أيّ مصرف باستثناء "بي. إن. آي." و"سي. پي. آي." من تحقيق نسبة الملاءة الماليّة التي حدّدها المصرف المركزي بـ 8%.
وإضافة إلى معالجة مشكلة الدّيون الهالكة، وضعت الحكومة في العام 1997 استراتيجيّة جديدة لتحسين أداء القطاع المالي. وقد ساعدت السّياسة الجديدة على تحقيق بعض الإنجازات وشجّعت عليها، لا سيّما: (1) تأسيس مصارف خاصّة جديدة وفتح رؤوس أموال المصارف الحكوميّة أمام مشاركة خاصّة ضئيلة، (2) دخول المصارف الأجنبيّة التّدريجي إلى البلاد، (3) تأسيس سوق للأوراق الماليّة، و(4) متابعة إعادة الهيكلة التّنظيميّة للمصارف الحكوميّة.
وقد ظهرت نتائج هذه السّياسة في العام 2000. فمع أن المصارف التّجاريّة الحكوميّة لا يزال أمامها الكثير من إعادة الهيكلة التي يجب إتمامها قبل أن تصبح جاهزة للخصخصة، فالسّياسة الحكوميّة جعلت هذه المصارف مختلفة تماماً عمّا كانت عليه قبلاً. يقول السيّد محمّد طربيش، مدير عام "بي. إي. آي."، إن المصارف الحكوميّة الجزائريّة أدخلت تعديات على نظمها أكثر مما ظهر إلى العلن. ويضيف: "بما أن الخطاب الاقتصادي يتركّز في البلاد على أسعار النّفط وعلى الدَّين العام، لا يعرف الكثيرون داخل الجزائر وخارجها أن القطاع المصرفي عرف الكثير من الإصلاحات. ففي بداية هذه العمليّة، لم يكن أي بنك في وضع يسمح له بمعرفة وضعه المالي؛ واليوم بات لكلّ المصارف حسابات شفّافة متوافقة مع تنظيمات المصرف المركزي المتوافقة بدورها مع المقاييس العالميّة".
وقد ركّز السيّد طربيش جهوده على جعل إدارة "بي. إي. آي." أكثر احترافاً بحيث يتواءم أداء المصرف مع المقاييس الدّوليّة. يذكر أن المصرف، الذي بلغ رأسماله 5،6 بلايين دينار جزائري (75 مليون دولار أميركي) وأرباحه قبل حسم الضّرائب 429 مليون دينار جزائري (ستة ملايين دولار أميركي) في العام 1998، تأسّس في العام 1967 لتقديم العون المالي لقطاع النّفط والغاز وللتّجارة الخارجيّة. وفيما يظلّ هذا الهدف الغاية الأسمى لـ "بي. إي. آي."، يشكّل المصرف أداة التّمويل الرّئيسيّة لقطاع الهيدروكربونات في الجزائر، وله فروع في أوروبا وأميركا وآسيا والشّرق الأوسط وحوالي 3500 مندوباً عالميّاً. ومع أن "بي. إي. آي." لا يملك خططاً فوريّة للخصخصة، يجهد طربيش للإبقاء البنك مستعدّاً دائماً لمثل هذا الاحتمال. يقول: "يمكن في أي لحظة فتح رأسمال المصرف أو إدخال شريك، لذلك يجب على "بي. إي. آي." أن يكون جاهزاً دائماً".
من بين المصارف الجزائريّة الحكوميّة الكبرى "سي. پي. آي." الذي عانى الكثير من المشكلات التي واجهت مصارف القطاع العام، لكنّه تمكّن من تجاوزها واستعادة ملاءته خلال فترة قصيرة، فاستحقّ ثناء حاكم المصرف المركزي. ويسعى المصرف اليوم، بإشراف مديره العام السيّد الهاشمي مغاوي، إلى اجتذاب شركاء من القطاع الخاصّ للحصول على الأموال اللازمة لتطوير خدماته وتكنولوجيّته. يملك المصرف 120 فرعاً و15 مركزاً إداريّاً فرعيّاً، ويبلغ عدد موظّفيه 4200 شخصٍ تقريباً. وبعد سنوات من تقديم القروض لشركات القطاع العام التي كانت تساوي 90% من زبائن المصرف، يبلغ حجم الخدمات التي يوفّرها "سي. پي. آي." للقطاع الخاص اليوم 45% من إجمالي خدماته. وبحسب خطّة وضعها المصرف للسّنوات الخمس المقبلة، سترتفع نسبة الخدمات المقدّمة للقطاع الخاصّ إلى 70% عن طريق زيادة الحجم الإجمالي للخدمات، لا سيّما القروض السّكنيّة والاستهلاكيّة المخصّصة للأفراد. ويتوقّع السيّد مغاوي ارتفاع نسبة الفائدة التي يقدّمها البنك خلال السّنوات الثّلاث المقبلة إلى 12%، " كما هي الحال في المصارف الأوروبيّة"، مثمّناً انتهاء المصرف من معالجة مسألة الدّيون الهالكة. ويضيف: "وجدت خلال لقاءاتي مع شركاء محتملين أن المستثمرين العرب يظهرون الإقدام نفسه كنظرائهم من غير العرب. أضف إلى أنّهم لا يحتاجون وقتاً للتأقلم في الجزائر كالأوروبيين، فهم يشاركوننا لغتنا وعاداتنا وتقاليدنا".
وقد أحدثت سياسة الإصلاح تغييراً آخر في القطاع المالي في الجزائر خلال السّنوات القليلة المنصرمة، فقد سمحت بانتشار المصارف الخاصّة في البلاد وشجّعت على حصول تدفّق مستمرّ ومتزايد للمؤسّسات الماليّة الأجنبيّة، مثل "سوسيتيه جنرال" و"سيتي بنك" وناتيكسيس" وقريباً "البنك العربي". فمنذ العام 1997، رخّص المصرف المركزي لـ 16 مصرفاً خاصّاً، بينها ستة مصارف أجنبيّة و10 مصارف محليّة. بيد أن المصارف الحكوميّة لا تزال تسيطر على السّوق الماليّة المحليّة، فهي تملك 95% من إجمالي الأصول والودائع وأكثر من ألف فرع، لكنّ المصارف الخاصّة التي دخلت البلاد أخيراً تؤثّر إيجاباً في سوقها الماليّة، فهي توفّر خدمات مميّزة تعمل من ضمن المعايير الدّوليّة.
من المصارف الخاصّة التي وفدت أخيراٍ إلى الجزائر "المؤسّسة المصرفيّة العربيّة" (آي. بي. سي.) التي يقوم مركزها الرّئيسي في البحرين. فقد دخلت هذه المؤسّسة إلى البلاد في العام 1999 تحت اسم "آي. بي. سي. الجزائر"، وتملك أغلبيّة أسهمها الشّركة البحرانيّة الأم، فيما يملك مستثمرون جزائريّون وأجانب بقيّة الأسهم، بما فيها 10% تملكها "المؤسّسة الماليّة الدّوليّة" التّابعة لـ "البنك الدّولي". للمصرف فرع واحد في الجزائر، وهو مشرع الأبواب أمام الزّبائن من الشّركات فقط، لكنّه يملك خططاً لتوسيع خدماته وزيادة عدد فروعه، فهو يسعى إلى حضور في كلّ المدن الكبرى عبر شبكة من 16 فرعاً ينوي إنشاءها خلال السّنوات الخمس المقبلة. يعبّر مدير عام "آي. بي. سي. الجزائر"، السيّد مصطفى عاشور، عن رضاه عن إنجازات المصرف منذ إنشائه، فقد حقّق في سنة واحدة ربحاً صافياً قدره 309 ملايين دينار جزائري (7،7 ملايين دولار أميركي)، ما دفع المساهمين إلى رفع رأسمال المصرف من 20 مليون دولار أميركي إلى 40 مليون دولار أميركي. يقول: "الرّأسمال الحالي جيّد جدّاً لمصرف بهذا الحجم. فالجزائر سوق عذراء تقدّم الكثير من الفرص". ويخطّط "آي. بي. سي. الجزائر" وغيره من المصارف لتقديم خدمات كاملة، لكنّ هذه المصارف تنتظر تنفيذ الحكومة لوعودها بتحديث شبكة الاتّصالات في البلاد، وهي عمليّة من المقرّر لها أن تبدأ العام الحالي (2001).