|
عندما تقرر دولة ما أن تتحول من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد منفتح فان النجاح يعتمد إلى حد كبير على قوة النظام المالي وبصورة أخص على قدرة الجهاز المصرفي على قيادة هذا التغيير. هذا ما أثبتته التجارب العالمية مؤخرا في معظم الدول التي قامت وتقوم بهذا التحول. فتلك التي قامت بإصلاحات اقتصادية سريعة دون ملاحقة بالسرعة نفسها من جانب البنوك صارت فريسة لأزمات اقتصادية. أما تلك التي تتمتع بوجود نظام مصرفي وبنوك قوية وقادرة على استيعاب هذا التحول وعلى تقديم التمويل اللازم في حينه فقد نجحت في تفادي حدوث هزات قوية تؤثر على استقرار اقتصادها. والسلطات المصرية استوعبت هذا الدرس مبكرا ونجحت البنوك المصرية - بشهادة المؤسسات العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي- إلى حد كبير في القيام بدور حيوي وفعال في قيادة الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الماضية، والصمود أمام الأزمات.
ويوضح تقرير شركة التجارة الدولية للسمسرة في الأوراق المالية "سي اي بي سي" أن أهمية القطاع المصرفي ليست فقط في كونه يمثل 4.10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1998 ولكن يظهر أيضا من خلال معدل نمو القروض والذي ارتفع من 44.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1992 إلى 65,2% في عام 1998.
ورغم الصدمات الداخلية والخارجية التي واجهها الاقتصاد المصري في الفترة من 1997 إلى 1999 مثل انخفاض عائدات السياحة وأسعار البترول العالمية وتأثير الازمة الاسيوية على تدفق الاستثمارات الاجنبية فإن الودائع استمرت في الارتفاع حيث بلغ إجمالى الودائع في آخر يناير 2000 نحو 246,8 مليار جنيه مقارنة مع 225.1 مليار جنيه في ينلير من العام الماضي. كذلك بالنسبة لحجم إجمالي القروض الذي ارتفع من 191.1 إلى 219.7 مليار جنيه في خلال نفس الفترة. بيد أن السياسة الانكماشية التي اتبعها البنك المركزي منذ منتصف العام الماضي لتخفيف الضغط على سعر صرف الجنيه ينتظر أن تظهر أثارها على نتائج أداء البنوك في نهاية العام الحالي.
وواجهت البنوك تحديات أخرى طوال العقد الماضي. فمع بداية الإصلاح الاقتصادي في عام 1991 أصبحت البنوك فجأة تتعامل مع نظام نقدي ومالي حر عليها من خلاله تحديد أسعار الفائدة الخاصة بها دون تدخل، بالإضافة إلى تحرير التعامل بالنقد الأجنبي وتحديد سعر الصرف من خلال قوى السوق وتحرير التجارة الخارجية. كذلك حدث تحول كبير في الاقتصاد بالاعتماد على القطاع الخاص وانتهاء سيطرة القطاع العام على النشاط الاقتصادي. وهذه أمور تطلبت من البنوك مهارات وقدرات مختلفة في تقييم المشاريع وتقديم الائتمان اللازم على أسس اقتصادية والتنافس على جذب كبار العملاء من القطاع الخاص. وتمت هذه النقلة بسلام ودون هزات قوية. وقد شجعت هذه التغيرات في الوقت نفسه كثير من البنوك الأجنبية على زيادة تواجدها في السوق وهو ما أدى إلى اشتداد المنافسة.
ويوجد حاليا في السوق المصرية 62 مصرفا إلا أن عددا قليلا منها لا يزال يسيطر على السوق. وشهد هيكل البنوك المصرية تحولا تاريخيا في السنوات القليلة الماضية وذلك بانتهاء السيطرة الكاملة من جانب بنوك القطاع العام وتراجع نصيبها في السوق مقابل تزايد مضطرد لدور البنوك الخاصة. ويشير تقرير " اتش اس بي سي" عن البنوك المصرية إلى أن البنوك التجارية الأربعة الكبار (الأهلي ومصر والقاهرة والإسكندرية) - وهي بنوك قطاع عام سيطرت تاريخيا على النشاط المصرفي قبل بدء الإصلاح الاقتصادي - ظلت تفقد جزءا من نصيبها في السوق بشكل مستمر خلال السنوات الخمس الماضية، حيث انخفض نصيبها من 58% من أجمالي الأصول في القطاع المصرفي و62% من إجمالي أصول البنوك التجارية عام 1994 إلى 50% و53% على التوالي في عام 1998. ويشير التقرير أيضا إلى تحقيق البنوك الرئيسية للقطاع الخاص أداء أفضل من بنوك القطاع العام.
وقد بدأت مصر برنامجا طموحا للخصخصة في عام 1993 تضمن الى جانب 314 شركة قطاع عام خصخصة البنوك المشتركة (رأسمال مشترك بين البنوك التجارية العامة وبنوك أجنبية). وبعد إحداث التعديلات التشريعية المطلوبة قامت البنوك الحكومية بتقليص مساهماتها في تلك البنوك سواء بطرح جزء منها من خلال البورصة أو كما في أغلب الحالات بيع غالبية الحصة للشريك الأجنبي في البنك. وفي أغلب هذه البنوك تغيرت الإدارة، وسعت الإدارة الجديدة إلى التحديث سواء في تنمية القدرات البشرية والمكننة داخل البنك أو من خلال التوسع في الفروع وإدخال أنشطة مصرفية جديدة الى جانب نشاط الإقراض التقليدي.
والبنك التجاري الدولي "سي أى بي" هو أحد أهم وأنجح هذه الأمثلة. فهو البنك الذي يعتبره الكثيرون نموذجا في السوق لما يجب أن تكون عليه الإدارة والتوظيف والأداء والربحية وتقديم الخدمات، وهو كما تصفه التقارير العالمية المتخصصة أقرب البنوك المصرية لأداء البنوك العالمية. وال "سي أى بي" هو أكبر بنوك القطاع الخاص من حيث الحجم اذ بلغت أصوله في نهاية ديسمبر 1999 نحو 15 مليار جنيه بنمو 13.1% عن العام السابق، كما بلغت أرباحه الصافية نحو 350 مليون جنية. وهذا ما يجعله من أكثر البنوك ربحية في السوق المصرية. وبجانب اختياره كأفضل بنك في مصر من جانب كثير من بنوك الاستثمار العالمية والتقارير المتخصصة فإن تواجده القوي في البورصة أعطى أسهمه دورا قياديا في السوق بحيث يؤثر ارتفاعه أو هبوطه على أسهم البنوك الأخرى واتجاه السوق بصفة عامة. ويسعى البنك لكي يصبح بنكا شاملا وهي وجهة النظر التي ينادي بها منذ سنوات محمود عبد العزيز رئيس البنك والرئيس السابق للبنك الأهلي المصري. وهي نفس الفكرة التي يطبقها حاليا هشام عز العرب نائب العضو المنتدب للبنك والذي يدير أعماله اليومية. فقد سعى البنك في الفترة الماضية إلى توسيع الأنشطة المصرفية والخدمات المصرفية الشخصية والتجزئة المصرفية، كما أنشأ البنك شركة تأمين وشركة للتعامل في الاوراق المالية في العام الماضي.
الى جانب البنك التجاري الدولي هناك أربعة بنوك أخرى قطاع خاص ذات أداء متميز من حيث جودة الأصول ونمو الربحية وتوفير الخدمات يحفزها تداول أسهمها في البورصة. وهذه البنوك هي: المصري الأمريكي ومصر الدولي والأهلي و"سوسيتيه جنرال" و"مصر اكستريور". و قد حقق المصري الاميركي أرباحا السنة الماضية تقدر بحوالي 100مليون جنيه.
ويوضح جيمس فون العضو المنتدب للبنك المصري الأمريكي أن التزايد المستمر لنصيب بنوك القطاع الخاص هو نتيجة للتغيرات في الاقتصاد المصري، فشركات القطاع الخاص في مصر بدأت تزداد وتتوسع بصورة طيبة في الوقت الذي يقل اعتماد الاقتصاد على شركات القطاع العام.
والمنافسة شرسة بين البنوك على اجتذاب العملاء سواء المودعين أو كبار العملاء. ويقول جيمس فون: " في بنوك القطاع العام عادة لا تجد الحافز لتقديم فكرة أو القيام بعمل جيد مما يجعل الموظفين يسعون إلى عدم الخطأ حتى لا يتعرضون لعقوبة، وهذا يحرم البنك من الأفكار الجريئة اللازمة للتطوير. أما البنوك الخاصة فعلى العكس. حافزها هو تحقيق الربح، ومقياس أداءها هو تزايد نصيبها في السوق وبالتالي تسعى إلى تقديم الخدمة الجيدة والجديدة في السوق والتطوير المستمر. وفي الوقت نفسه فإن الأفراد والشركات تزداد ثقتهم في بنوك القطاع الخاص بعد أن كان تعاملهم أساسا مع بنوك القطاع العام."
وقد تزايد اهتمام البنوك العالمية بالدخول إلى السوق المصرية عن طريق خصخصة البنوك المشتركة. فسعت بنوك "باركليز" البريطاني و"كريدي كومرسيال دو فرانس" و"سوسيتيه جنرال" إلى زيادة تواجدها في السوق. كما قام البنك البحريني "المؤسسة العربية المصرفية" بشراء بنك مصر العربي الافريقي في العام الماضي. كما تزايدت الطلبات على فتح فروع لبنوك أجنبية ألا أن البنك المركزي لا يزال يرفض ذلك بسبب وجود عدد كبير من البنوك في السوق وإلى حين الانتهاء من برنامج خصخصة البنوك. وهو ما جعل كثير من المؤسسات الاجنبية تبدأ بالخطوة الاولى بفتح مكتب تمثيل لها مثلما قام بذلك بنك "ايه بي أن أمرو".
وساهمت خصخصة البنوك المشتركة في إحداث تغيير مهم في إدارات البنوك. وتنافست البنوك في جذب قيادات مصرفية أجنبية جديدة تتولى المسؤولية مثلما حدث في البنوك الفرنسية والأمريكية، أو الاستعانة بالخبرات المصرية والتي كانت تعمل في بنوك أجنبية خارج مصر مثل هشام عز العرب (من "دويتشه بنك") ووجدي رباط العضو المنتدب لبنك "القاهرة باركليز" والذي عمل أكثر من عشرين عاما خارج مصر اخرها في "سيتي بنك" بالبحرين. وهذا التغيير في القيادات لم يقتصر فقط على البنوك الخاصة ولكن شمل أيضا بنوك القطاع العام.
ففي وقت كانت النغمة السائدة هي عدم وجود جيل ثان من القيادات المصرفية أدركت الحكومة ضرورة التغلب على هذا التحدي واكتشاف وإعداد كوادر مصرفية جديدة تتولى المسؤولية، بعد أن اكتشفت أن استمرار بعض رؤساء البنوك لفترة طويلة يحجب ظهور كفاءات قيادية جديدة. وفي هذا العام وحده تم تغيير رؤساء بنوك الأهلي ومصر والقاهرة وهي أكبر ثلاثة بنوك على التوالي من حيث الحجم في السوق. وجميع القيادات الجديدة تم تعيينها بصورة مؤقتة لمدة عام في خطوة قالت الحكومة انها تمثل فترة اختبار بحيث إذا أثبتت كفاءتها يتم تثبيتها. وفي الوقت الذي لم يلق التغيير في البنك الأهلي قبولا كبيرا في السوق وعدم وضوحه في بنك مصر، فالمفاجأة جاءت في اختيار أحمد البردعي رئيسا لبنك القاهرة. فالبردعي هو أحد مصرفيي القطاع الخاص حيث سبق له قيادة "سيتي بنك" في مصر والعربي الأفريقي الدولي وهو الذي قام بتصفية كبيرة للموظفين واتخاذ قرارات جريئة سببت زوبعة في ذلك الحين، وهذا ما يشير إلى اتجاه جديد في الاستعانة بقيادات مصرفية غير تقليدية في بنوك القطاع العام.
غير أن بنوك القطاع العام لا تزال تواجه كثيرا من المشاكل والتحديات على رأسها الديون المتعثرة من جانب شركات القطاع العام وهجرة الكفاءات المصرفية إلى بنوك القطاع الخاص حيث الأجر الأعلى، واستمرار بعض الحالات من التمويل على أساس تلقي أوامر مباشرة من الحكومة بالاقراض وليس على الأسس الاقتصادية للتمويل وصعوبة التوسع بزيادة رؤوس أموالها. ولكن لأن هذه البنوك لا تزال تجتذب أغلب المودعين فهي تمتلك الأموال التي تسمح لها بالنمو والتطور.
هذا التحديث والتطوير والقاعدة القوية من الاستقرار التي يرتكز عليها الجهاز المصرفي في مصر لا يخلو من التحديات في الفترة القادمة، وهي أمور تتعلق أساسا بنمو الاقتصاد المصري وزيادة تنافسيته العالمية. كذلك قدرة البنوك على الإسراع في التطوير ومواكبتها لتقدم هذه الصناعة عالميا وازدياد المنافسة المتوقع في السوق المصرية في الفترة القادمة من جانب البنوك العالمية، بالإضافة إلى قدرتها على التعامل مع أدوات جديدة وقواعد السوق العالمية في ظل سعي مصر للاندماج بصورة أكبر في الاقتصاد العالمي.
وفي الوقت الذي ينتظر أن ينعكس الركود الذي حدث في النشاط الاقتصادي منذ بداية العام على أداء البنوك وحدوث بعض التباطؤ في نمو هذا القطاع، فإن عام 2000 قد يكون أيضا فرصة لحدوث بعض التصحيحات المنتظرة في هيكل البنوك من خلال حدوث إندماجات تساهم في تكوين كيانات مصرفية أكثر قوة وقدرة على المنافسة العالمية.
|