|
رغبة محمومة من الافراد لاقتناء التليفون المحمول. صراع شرس بين شركتين من القطاع الخاص تملكان وحدهما ترخيصا للعمل في هذه السوق. رقابة حذرة من السلطات الحكومية لتحقيق الانضباط و حماية المستهلكين. نمو كبير في سوق التليفون المحمول. تلك هي ملامح الصورة لتطور قطاع الاتصالات في مصر والذي أصبح يمثل نموذجا يعبر عن تحول الاقتصاد المصري إلى آليات السوق و التغيرات الهيكلية التي تميزه، خاصة فيما يتعلق بتزايد المنافسة و التحديث المستمر.
وأنشطة الاقتصاد الجديد - مثل كثير من الدول- بدأت تسري وتتغلغل في بنيان الاقتصاد المصري. بل أن سرعة نمو قطاعات التكنولوجيا والاتصالات وضعت مصر ضمن الدول الاسرع نموا في استيعاب و استهلاك التكنولوجيا وادخلتها ضمن قائمة الاولويات لاهتمامات الشركات العالمية في هذا المجال.
وقد بدأت أول شركة للمحمول كشركة حكومية في عام 1996 ووصل عدد المشتركين في هذه الخدمة حتى مايو 1998 نحو 82 ألف مشترك فقط. وبعد هذا التاريخ تم خصخصة الشركة و تحول إسمها إلى "موبينيل" (كونسوتيوم يضم عدد من الشركاء المصريين و الاجانب في مقدمتهم "اوراسكوم" للاتصالات و "فرانس تليكوم" و "موتورولا") و ارتفع عدد المشتركين بها حتى نهاية ابريل الماضي الى أكثر من 900 ألف مشترك!
كما شهدت السوق دخول شركة أخرى في آواخر عام 1998 وهي شركة "كليك" (كونسورتيوم يضم شركات على رأسها "الكان" المصرية و"فودافون" و"اير تاتش" وبنك القاهرة والمجموعة المالية "هيرميس") و التي بدأت تنمو بسرعة حتى وصل عدد المشتركين بها في نفس الفترة الى أكثر من 400 ألف أي بمعدل نمو 10% شهريا.
ولا يقتصر المشتركون في هذه الخدمة الجديدة في مصر على الاغنياء فقط بالقاهرة بل أصبح في متناول الطبقة الوسطى وفي أغلب محافظات الجمهورية حيث توجد رغبة متنامية في عدم التحلف عن هذه الوسيلة الجديدة التي تعد إحدى الوسئل للنفاذ بصورة أكبر لعالم التكنولوجيا والانترنت. كما أن كثير من الافراد والتجار بدأوا يفضلون الاشتراك مباشرة في خدمة المحمول تفاديا للتكاليف ووقت الانتظار المطلوبين للحصول على خدمة التليفونات الارضية التقليدية.
يقول عثمان سلطان العضو المنتدب لشركة "موبينيل": "أصبح الآن واضحا أن جميع الشروط المطلوبة لنمو هذه السوق متوافرة في مصر. ففي البداية هناك ارادة سياسية واضحة لتحرير الاقتصاد، و هو أمر ضروري و لكنه غير كاف إذا لم يتم تطبيق اجراءات مناسبة و اطار عام لتنظيم تواجد القطاع الخاص وكيفية التعامل مع القطاع العام والتعامل بين اللاعبين من القطاع الخاص انفسهم داخل السوق، وهو أمر لا يعني شيئا أيضا دون وجود السوق و العملاء المستعدين للدفع مقابل الحصول على هذه الخدمة. هذه الشروط موجودة حاليا، ونحن لا نرى سوى توافر لجميع العناصر المطلوبة لنمو هائل في السوق المصرية".
و المنافسة بين شركتي "موبينيل" و"كليك" عنيفة وشرسة ولكنها مربحة للجميع. فهذه المنافسة تأخذ شكل حملات اعلانية واسعة ومكثفة ومخاطبة مباشرة للعملاء سعيا لجذب أكبر عدد، و لكنها أيضا تركز على تحسين الخدمات والتسابق على تقديم خدمات أكثر بأسعار أقل وهو ما يجعل المستهلك أيضا يستفيد. والنتيجة أن عدد المنضمين للشركتين يتزليد بسرعة.
ويوضح محمد الحمامصي العضو المنتدب لشركة "كليك" أن الشركة سعت إلى الاهتمام بجودة الخدمة. ولذلك كانت هناك دقة كبيرة في اختيار العاملين، وقامت الشركة في البداية بالستعانة بالخبرات في الشركة الام ("فيودافون" بانجلترا) إلى أن نجحوا في تشكيل خبرات جديدة محلية في ادارة التكنولوجيا ذات كفاءة مرتفعة في مصر. كما تعرض العاملون لتدريب مكثف، فعلى سبيل المثال لا يبدأ الموظفون في خدمة العملاء بالرد على الهاتف قبل ثلاثة أسابيع من التدريب.
ويضيف أنه على الرغم من ذلك فإن المنافسة الحقيقية لا تزال منصبة على الاسعار، فمصر لا تزال دولة غير غنية ولذلك فإن السعر لا يزال محدد أساسي عند اتخاذ القرار للعملاء. و قد قامت شركة "موبينيل" أيضا في أول ابريل الماضي بانشاء مركز ضخم لخدمة العملاء حيث تتلقى شهريا نحو 800 ألف استفسار من جانب المشتركين بها.
وعلى الرغم من أن دخول وانتشار التليفون المحمول في مصر يعد استهلاكا للتكنولوجيا المستوردة من الخارج، ولا يعبر عن نمو في انتاج محلي للتكنولوجيا، إلا أن هناك ما يؤكد أنها خطوة في اتجاه تطور أكبر لاستخدام التكنولوجيا داخل المجتمع في مخلف القطاعات.
فقد قامت شركة "موبينيل" في مايو الماضي ببدء خدمة توفير المعلومات على المحمول من خلال الاتصال بالانترنت في خطوة يقول عنها سلطان انها تمكن المشتركين من مواكبة الايقاع السريع لتطور العصر، و توفير مزيد من المعرفة و زيادة انتاجية الشركات و المؤسسات. كذلك المساهمة في قيادة عملية التحول إلى عالم المعلومات الذي أصبح عصب الاقتصاد الحديث، و إن التعاون بين المحمول و الانترنت سوف يكون محركا للنمو الاقتصادي خلال العامين القادمين.
و هو نفس الاتجاه الذي تراه "كليك" فيقول الحمامصي: "إن مستقبل التعاون بين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يكمن في تزاوج المحمول مع الانترنت. فهما متكاملان إذ أن المحمول يوفر سرعة التواصل و النفاذ، و لانترنت يمثل نافذة على العالم. ولذلك فالمحمول سوف يوفر للفرد الهوية التي يتجول بها حول العالم".
و تنتظر السوق المصرية حدثا مهما هذا العام سيمثل انقلابا جديدا في قطاع الاتصالات وهو خصخصة شركة الاتصالات المصرية. وعلى الرغم من أن الحكومة تنوي ألاتطرح أكثر من 20% من أسهم الشركة إلا أنها خطوة طال انتظارها خاصة من جانب المتعاملين في البورصة لتنشيط السوق، بل إنها ستسمح بنقلة هامة في مستقبل خدمات الاتصالات في مصر. وقد أعلنت الحكومة عن قيامها بهذا الطرح للاكتتاب العام في الربع الاخير من العام الحالي. كما قامت الحكومة بإختيار مجلس إدارة جديد أغلبها من القطاع الخاص المصري في حركة تجديد لدماء الشركة بما يناسب المرحلة الجديدة بعد الخصخصة.
و من المتوقع أن تحصل شركة الاتصالات المصرية على رخصة جديدة للعمل في سوق التليفون المحمول وذلك بهدف زيادة جاذبية الشركة أمام المستثمرين و بالتالي رفع درجة تقييمها وأسعار بيع أسهمها. و سوف يؤدي دخول لاعب ثالث في سوق التليفون المحمول بجانب "موبينيل" و "كليك" - والذي ينتظر أن يكون في عام 2002- إلى زيادة حدة المنافسة على جذب العملاء وبالتالي امكانية حدوث تخفيضات جديدة في الاسعار، وهو ما تدركه جيدا "موبينيل" و "كليك" في الوقت الحالي.
و لا يقتصر التطور فقط على السوق المحلية، فقد أدركت بعض الشركات أن مستقبل تواجدها يعتمد على قدرتها على التوسع اقليميا و هو يضمن استمرار نموها و قدرتها على المنافسة. و تعد "اوراسكوم" للاتصالات أهم الامثلة الناجحة في هذا المجال. فبعد أن ثبتت الشركة أقدامها برسوخ في السوق المصرية من خلال كونها من أكبر المساهمين في شركة "موبينيل" (26% من رأس المال) بدأت تنظر بجدية للتوسع في السوق الخارجية و هي تعمل حاليا في سوق التليفون المحمول في عدد من الدول العربية مثل سوريا و الاردن و قريبا في اليمن، كما قامت مؤخرا بشراء شركة "تليسيل" الافريقية و التي تملك 11 ترخيصا للتليفون المحمول في افريقيا وهو ما أعطى "اوراسكوم" سيطرة على هذه السوق في الدول الافريقية جنوب الصحراء، وبما يصل إلى نحو 57% من السوق الافريقية. كما تتوسع الشركة في تقديم خدمات التكنولوجيا بأنواعها المختلفة و هي الموزع لأكبر شركات الكومبيوتر العالمية مثل "مايكروسوفت" و"اوراكل" و"كومباك"، كما تقوم ببيع شرائح "انتل" لمجمعي الكومبيوتر في مصر، كذلك قامت مؤخرا بشراء شركة "ان تاتش" و هي شركة تقديم خدمات الانترنت.
ويقول نجيب ساويرس رئيس الشركة انه لا يوجد حاليا منتجين للكومبيوتر ولكن تجميع للاجهزة في مصر وهي الخطوة الاولى للتصنيع. ويضيف: "نحن نريد أن ننمي تكنولوجياالمعلومات في أفريقيا و العالم العربي، و المشكلة في العالم العربي أنه لا توجد مؤسسات قادرة على القيام باستثمارات ضخمة في أي نوع من التكنولوجيا والتدريب لتكوين المهارات لأن حجم العمليات لا يبرر ذلك، و هذه المنطقة بها 800 مليون نسمة بينما نسبة انتشار الاتصالات أقل من 1%، و لذلك سوف نقوم نحن بالاستثمارات لايجاد القيمة المضافة والحفاظ عليها لتحسين مستوى شعوبنا".
هذه الرغبة في النمو و التوسع تعكس الطموح الذي أصبح يشغل القطاع الخاص المصري بعد أن أطلقت يداه وتحرر من القيود وأصبح يسعى للمنافسة بقوة حتى في أكثر المجالات صعوبة و تحديا المتعلقة بأنشطة الاقتصاد الجديد ( تكنولوجيا المعلومات والاتصالات). وهو تحدي يتطلب تعاونا اقليما واندماجا و تزاوجا بين الشركات في المنطقة لايجاد كيانات قوية تستطيع التنافس في سوق عالمية سريعة التطور وشديدة المنافسة.
|