|
إن بيع شركة حكومية لا يكون غالبا أمرا صعبا، وإنشاء شركة جديدة ليس بمشكلة. إلا أن قدرة هذه الشركات على المنافسة والتوسع والاستمرارية في ظل سوق تنافسية في الداخل ومع العالم الخارجي هو التحدي الاكبر. وهذا ما يواجه الشركات المصرية خاصة المنتجة للسلع الاستهلاكية. ورغم أن إدارة القطاع الخاص لا تزال في أغلبها ناشئة وحديثة العهد في التعامل مع قواعد المنافسة الحرة في السوقين المحلية والدولية، فإن تطور العديد من الشركات في مصر يؤكد وجود عدد من الخبرات الإدارية القادرة على التآلف السريع وقيادة شركاتها لاحتلال الصدارة داخل السوق المحلية والتطلع بقوة للمنافسة العالمية الأكثر شراسة.
وعندما تسعى شركة لتحقيق ذلك في السوق المحلية فأول ما تواجهه هو التعرف والتعامل عن قرب مع احتياجات و اختيارات المستهلك. و تحتاج في كثير من الاحيان إلى إحداث تغيير في عقلية وعادات هذا المستهلك و في بعض الاحيان الى إعطاءه مزيد من التوعية. و مجموعة شركات جهينة هي أحد هذه الأمثلة. فقد نجحت جهينة في ترسيخ اسمها داخل سوق الألبان و المشروبات و اقناع المستهلكين بمنتجاتها رغم اتباعها أسلوب مختلف عما كان سائدا في السوق. فأغلب العائلات المصرية كانت قد اعتادت في الماضي على استخدام اللبن السائب والذي يحمله البائع على دراجته و يوزعه على المنازل. و هذا اللبن كان يؤخذ من المزارع و يقوم بدورته في الشوارع إلى أن يصل للمستهلك. و لم يكن للأخير خيارات كثيرة أو أن يتساءل عن المعايير الصحية المناسبة. ثم بدأ يحدث تحول تدريجي و ذلك باللجوء إلى اللبن البودرة المعبأ و المستورد من الخارج و انحسر هذا النوع من الاستهلاك على فئات معينة من أصحاب الدخل المرتفع. و جاءت جهينة لتطرح منتجات الألبان المعبأة في الكرتون و هي منتجات طازجة و لكنها تحفظ من التعرض للتلوث أو أيدي الباعة، فمنذ دخول الألبان في المصنع إلى حين وصولها للمستهلك لا يمكن رؤية اللون الأبيض للبن لأنه يمر فقط من خلال المعدات و الانابيب المخصصة لذلك. و تقود جهينة في الوقت الحالي هذه السوق بالاشتراك مع شركتين أخريين، و أصبح هناك طلبا متزايدا على هذه المنتجات مع وجود وعي أكبر من المستهلكين بالمعايير الصحية و أهمية الوقاية، و هو ما يعبر عن وجود تحول في عقلية المستهلكين.
ويقول صفوان ثابت العضو المنتدب لجهينة :" استراتيجية الشركة تقوم على محاولة تقديم منتوجا لا يستطيع الآخرون تقديمه للمستهلك فيما يتعلق بالحفاظ على الصحة وتحقيق أعلى مستويات الجودة والتعبئة و التغليف. و يمكنك الشعور بنجاح الشركة في إحداث تغيير في عقلية المستهلك من خلال بيع السلعة. فالمستهلك لم يكن مستهلكا قبل ذلك لأنه لم يكن هناك أمامه بدائل لاختيار الطعام الذي سيتناوله و كان لا بد أن يشتري من الجمعيات التعاونية، و كان يشتري السلعة الموجودة بدون أي مجال للاختيار".
و هذا التحول واضح أيضا فيما يتعلق بسوق المشروبات. فقد اعتاد المستهلك المصري على تناول مشروبه من محلات العصير المنتشرة في شوارع القاهرة و المدن الأخرى، و القليل كان يتناول بعض منتجات العصير المعبأة في علب صفيح، و الأغنياء فقط هم الذين كانوا يلجئون إلى معلبات العصير المستوردة من الخارج. و لكن حدث تحول جوهري منذ طرحت منتوجات العصير في علب الكرتون و انتشرت هذه المنتوجات بصورة واسعة في خلال العامين الماضيين و أصبحت تنافس بقوة منتوجات المياه الغازية داخل المنازل المصرية.
و قد تم تأسيس الشركة في بداية الثمانينات بمساهمة تبلغ 65% من رأس مال مصري و 35% رأسمال سعودي وبدأت برأسمال 1.3 مليون جنيه ارتفع إلى نحو 100 مليون جنيه في الوقت الحالي. و هناك توسعات كبيرة و خطوط إنتاج جديدة تجري اقامتها داخل مصانع جهينة في مدينة 6 أكتوبر. و يركز نشاط الشركة على منتوجات الالبان و عصير الفواكه و اللبن الزبادي. و تقوم الشركة بالتوسع في طرح منتجات مختلفة داخل نفس المجال مثل ايجاد عدة أحجام مختلفة وينتظر طرح منتجات جديدة خلال الأشهر الثلاث القادمة. و يقول صفوان ثابت: " هدفنا الرئيسي هو أن تكون لنا القيادة في سوق منتجات الألبان و زيادة حجم مبيعاتنا. نحن نركز على السوق المحلية وسوف نقوم ببناء مصانع جديدة".
و عتمد الشركة أساسا على فريق عمل مصري و على الاجيال الجديدة باستثناء بعض مواقع القيادات العليا، و تقوم الشركة بتدريب العاملين محليا كما بإرسالهم للتدريب في الخارج مثل مانشستر ببريطانيا والسويد لاكتساب الخبرة.
و لكن ماذا عن التصدير؟ يقول العضو المنتدب لجهينة: "كنا نقوم بتصدير كميات كبيرة منذ عشر سنين و لكن بعد ذلك ركزنا على السوق المحلية و التي أصبحت في مقدمة أولوياتنا. من ناحية أخرى نحن المورد الرئيسي للجيش الأمريكي في الخليج، كما أننا المورد الرئيسي لمجموعة مطاعم ماكدونالدز في مصر. أما بالنسبة للصادرات فنحن نصدر للولايات المتحدة و إيطاليا و لبعض دول المنطقة مثل فلسطين و لبنان و ليبيا".
إلا أن شركات القطاع الخاص ليست وحدها التي استطاعت الاستفادة من التحولات التي شهدها الاقتصاد المصري، فهناك من الشركات الحكومية التي نجحت بعد خصخصتها في إثبات أن العمل في مناخ أكثر تنافسية مع وجود إدارة يقظة يمكن أن يضاعف الإنجاز . وتوضح تجربة شركة الأهرام للمشروبات كيف يمكن للإدارة على الرغم من إلزامها عند الخصخصة بعدم التخلص من العمالة وزيادة حجم استثماراتها أن تحقق ما يفوق التوقعات.
و يقول أحمد الزيات (37 سنة) الرئيس التنفيذي للشركة: " في البداية كانت الخصخصة كلمة سيئة. ولكن بعد تجربتنا رأى الناس أن العمال لم يتم فصلهم كما كانت تقول الشائعات، بل على العكس لقد قمنا بتوظيف 800 فرد جديد، لذلك فإن من كان يهاجمنا في البداية وجد أن الظروف أصبحت أفضل بالنسبة للعاملين في الشركة. و أصبح الحال أفضل بالنسبة للمديرين الذين أصبحوا أحسن حالا و بالنسبة للدولة ككل. كما بدأ المستهلكون يتساءلون ما إذا كانت الشركة هي ذاتها التي كانت مملوكة للحكومة حيث لم تكن اي منتوجات جديدة على مدى السنوات الثلاثين الs ة. لقد كانت العملية مربحة للجميع، و الكلمة السيئة للخصخصة أصبحت هي الطريق للتقدم، و في خلال العامين الماضيين كانت هناك مئات من الصفقات التي حاولت اتباع نموذج الأهرام للمشروبات".
و للشركة تاريخ طويل. فقد بدأت نشاطها في عام 1897 و أصبحت فيما بعد أول شركة خصخصت في 1997 و هي لا تزال أفضل مثل يعطى للخصخصة الناجحة. وبعد مئة عام من انشائها بدأت الشركة تخطو خطوات متقدمة، و استطاعت في فترة قصيرة منذ خصخصتها في التوسع بإنتاجها و إدخال منتجات جديدة متنوعة و أصبحت تقدم حاليا 32 مشروب مختلف مقارنة مع 9 فقط منذ 3 سنوات. كذلك زادت مبيعاتها بنسبة 62% و ارتفعت أسعار أسهمها بنحو 400% في خلال هذه الفترة، كما استطاعت الدخول في أسواق تصديرية جديدة بلغت نحو 20 دولة مقارنة مع دولة واحدة قبل الخصخصة. و أصبح هناك تقدير لادارة الشركة من جانب المستثمرين مع وجود شفافية ملحوظة في الإفصاح ونشر البيانات. هذا في الوقت الذي دخل فيه لاعبون جدد في السوق انهوا حالة الاحتكار التي ظلت تتمتع بها الشركة عشرات السنوات و هو ما يراه رئيس الشركة ذا تأثير إيجابي على أداء الشركة. "عندما دخلت عائلة ساويرس انفتح السوق أمام الجميع. إن وجود أكثر من لاعب لا يؤدي فقط إلى نمو السوق بل يجعل موظفينا يعملون أيضا على أطراف أصابعهم".
كما توسعت الشركة في إنتاج البيرة غير الكحولية و تسعى للتوسع في بيعها في الدول العربية و الإسلامية التي تعد سوقا واسعة غير مستغلة بعد. كما تم التوسع في طرح مشروب فيروز بالفواكه المختلفة و أصبح لديه قاعدة من عشاق نكهته، بالإضافة إلى الحصول على توكيل عدد من المشروبات الغازية مثل "أر سي" و "رويال كراون".
و وراء هذا النمو و التوسع فلسفة حديثة في الإدارة. يقول أحمد الزيات: " يمكن تلخيص ذلك في السحر أن تكون مالكا. فالأهرام للمشروبات هي الشركة الوحيدة في الشرق الأوسط التي أصبح كل العاملين فيها ملاك للشركة. مما جعل العاملين يراقبون تحركات أسعار الأسهم يوميا، و هو ما يجعلهم يشعرون بأنهم يبنون ثروتهم الشخصية. هناك سر افتخر به وهو أنه خلال 18 شهرا استطعت إيجاد أكثر من 18 مليونيرا داخل الشركة، و هم كانوا من أصحاب المداخيل المتوسطة يعملون بجهد كبير و لكنهم لم يحصلوا بعد على مكافأتهم. فالعمال يمثلون الأصل ذا القيمة الأعلى بالنسبة للشركة فإذا ما كان هناك الحافز المناسب سوف ينمون، و هذا مصدر قوة كبير للشركة. و عندما تتلاقى مصالح حملة الأسهم مع مصالح الإدارة فإن الأمر يكون أكثر ديناميكية. هذا هو الضمان الذي أملكه من أجل النجاح". الى جانب هذه الأمثلة من النجاح هناك شركات تضررت كثيرا من جراء المنافسة ولكنها استطاعت اللحاق بتغيير إدارتها والتحول مرة أخرى للربح. و شركة مصر الخليج لتصنيع الزيوت "ميجوب" و هي استثمار خليجي في مصر ( أهم المساهمين هم شركة الخليج للاستثمارات العربية و البنك الإسلامي للتنمية و شركة دلة البركة القابضة بالإضافة إلى مساهمين مصريين مثل بنك قناة السويس و بنك التنمية الصناعية المصري) أحد هذه الأمثلة. فهذه الشركة كانت تتمتع بالاحتكار في معظم منتجاتها في أواخر الثمانينات. و من نشاطاتها تكرير الزيوت النباتية وتعبئة المسلى و الزيوت النباتية و انتاج الشورتاننج و المرجرين اللازمة للصناعات الغذائية. و لكن بعد اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1991 أصبح دخول لاعبين جدد في السوق أكثر سهولة و هو ما أدى إلى مشاكل لشركة "ميجوب" وقاربت على الإفلاس مع فقدانها لحصتها في السوق. وفي عام 98 قرر المساهمون إعادة هيكلتها بدلا من بيعها فاختاروا كريم سعيد (أحد الخبراء المصريين الذين تدربوا في شركة "ماكنزي" العالمية ويعمل حتى الآن مستشارا لهم) ليقود الشركة كعضو منتدب. و استطاعت الشركة في عام واحد من خلال الإصلاح الداخلي و حملة تسويقية ضخمة أن ترفع حصتها من 12% إلى 17% من حجم السوق، و قامت بتحسين المنتوج الذي أصبح مشهورا بشكل كبير وهو سمن النخلتين النباتي بالإضافة إلى طرح منتجات جديدة. و استعانت الشركة بإدارة قوية من خلال تقديم أعلى الرواتب في السوق، و استطاعت هذه الإدارة الجديدة في إنقاذ الشركة و إعادتها الى طريق النجاح.
المستهلك المصري أصبح أكثر وعيا و البدائل أمامه تزداد يوما بعد يوم. و هو أمر يظهر جليا في شوارع القاهرة بصفة خاصة مع انتشار و تنوع منافذ التوزيع بالنسبة للسلع الاستهلاكية، حيث تم منذ بداية هذا العام افتتاح أكثر من مجمع كبير مثل سلسلة "سينسبري" البريطانية و "الفا ماركت" و "مترو". هذه المراكز للتوزيع أضافت نقلة نوعية في عرض و تقديم السلع الاستهلاكية المحلية و المستوردة. و شركات الإنتاج المحلية تدرك هذا التطور السريع و التحدي الذي يحمله في اشتداد المنافسة، و هي في ذلك تسعى لا للسير فقط و لكن للعدو سريعا بأحدث أساليب الإدارة و طي صفحة من الانغلاق و الحماية التي أصبحت ماض لن يعود.
|