|
رغم معاناة الركود في النصف الأول من هذا العام هناك إمكانية للاستمرار في تحقيق معدل نمو اقتصادي بنحو 5%
إن أصعب مرحلة في سباق الماراثون هي المنتصف، ففي هذه المرحلة يكون المتسابق قد فقد حماس البداية كما إنه لا يرى بعد خط نهاية السباق حتى يعدو بأقصى قوته لذلك فالتحدي يكون صعب. ولعل هذه المرحلة هي شبيهة بتلك التي يمر بها الاقتصاد المصري في الوقت الحالي. ففي بداية التسعينات كان الحماس للتغيير والإصلاح كبيرا وتحققت إنجازات مهمة في مجال تحقيق الاستقرار النقدي والمالي. ولكن بعد مرور نحو عشر سنوات لا يزال خط النهاية بعيدا، وتبدو أفاق واسعة للنمو والاستثمار في الاقتصاد المصري إلا أن سرعة العدو تواجه عددا من التحديات.
فالاقتصاد المصري الذي ينمو بأكثر من 5% منذ عام 1995 واجه منذ بداية العام حالة كبيرة من الركود الذي أصاب الأسواق وتسبب في إبطاء عجلة دوران النشاط الاقتصادي، وكان جزءا من هذا الركود مخططا من جانب الحكومة وذلك لتخفيف ضغط الطلب على العملة الأجنبية (خاصة الدولار) الذي شهدته الأسواق خلال العام الماضي وبالتالي توفير الاستقرار لسعر الصرف. وبدأت حكومة عاطف عبيد التي تولت المسؤولية منذ نوفمبر الماضي التنبه لخطورة تأثير هذا الركود على النشاط الاقتصادي وجعلها تخفض توقعات النمو من حوالي 7% إلى نحو 5% للعام المالي الحالي. وقامت الحكومة باتخاذ عددا من القرارات التي تستهدف إنعاش الاقتصاد على رأسها تسديد مدفوعات متأخرة على الحكومة تسببت في تراكمات من التأخير في الدفع بين المتعاملين داخل السوق. وقد بدأت السوق تشعر بانفراج وعودة السيولة إلى معدلاتها بما ساهم في تقليل الأثر النفسي السلبي على المتعاملين. و يتوقع المسئولون في مصر انتهاء حالة الركود التي سادت في النصف الأول من هذا العام و عودة الاداء القوى للاقتصاد.
وإذا كانت الحكومة تتصدى في الوقت الحالي لهذه الأزمة العارضة فإن الأهم من ذلك هو وجود تطور ملحوظ في مختلف القطاعات يساهم في إزالة الأسباب الهيكلية الأساسية التي أدت لنقص كبير في موارد النقد الأجنبي و تسببت في مشكلة الركود. فقد تزامنت وتجمعت عدة عوامل منذ أواخر عام 97 أدت إلى تراجع في عوائد النقد الأجنبي، حيث انخفض عائد السياحة بشكل دراماتيكي على إثر حادثة الأقصر في أواخر عام 97. وفي نفس الوقت تسببت الأزمة المالية الآسيوية في انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية علي مصر، كما ساهمت في زيادة الواردات المصرية نتيجة تخفيض الدول الآسيوية لأسعار صادراتها والذي أدى أيضا إلى صعوبة الوضع التنافسي للصادرات المصرية في الأسواق الدولية وبالتالي لم تستطع الصادرات الارتفاع عن معدلها البالغ 5 مليار دولار وتعويض الزيادة الكبيرة في الواردات. كذلك انخفضت أسعار البترول العالمية فانخفض العائد من هذا المصدر الرئيسي الذي كان يساوي نصف إجمالي قيمة الصادرات المصرية، كما تراجع على إثر ذلك أيضا عائد قناة السويس والذي يعتمد إلى حد كبير على مرور ناقلات البترول العالمية. كذلك تناقصت تحويلات المصريين العاملين في الخليج. وفي نفس الوقت دخلت حكومة الجنزوري السابقة في عدد من المشروعات الكبرى الطويلة الآجل والتي سحبت جزء من السيولة من السوق وساهمت في زيادة فاتورة الواردات نتيجة زيادة استيراد الآلات والمعدات دون وجود عائد سريع لهذه المشاريع.
وونتيجة لذلك ارتفع عجز الميزان التجاري في عام 98\99 إلى معدل قياسي بلغ نحو 12 مليار دولار كما حقق ميزان المعاملات الجارية عجزا كبيرا لأول مرة منذ بداية الإصلاح الاقتصادي بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أدت الرغبة في الحفاظ على استقرار سعر الجنيه إلى وجود اختناقات في الطلب على الدولار داخل السوق. ولكن استطاع الاقتصاد أن يحافظ على معدل التضخم منخفضا عند 3% والعجز الحكومي عند 1% من الناتج المحلي الإجمالي ومعدل النمو الاقتصادي بلغ 5%. وعلى الرغم من انخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي لاستخدامه في تلبية طلب السوق مع انخفاض المعروض فإن الاحتياطي يبلغ في الوقت الحالي نحو 15 مليار دولار أي ما يوازي تغطية 12 شهرا من الواردات.
و ملامح صورة الاقتصاد المصري بدأت تتغير نتيجة الاصلاحات على نحو أظهر وجها جديدا للاقتصاد المصري أكثر جاذبية. وهي صورة تحمل فرصا واعدة في أغلب القطاعات الرئيسية. فالسياحة مرشحة لكي تلعب الدور المنتظر منها كمحرك للنشاط الاقتصادي ومولد للنمو ومصدر رئيسي للدخل بالعملة الأجنبية. فقد بلغ عدد السياح في عام 99 نحو 5 مليون سائح وهو المعدل الأعلى من السياح لمصر في تاريخها الحديث، ويدعم التوقعات بالنسبة لمستقبل هذا القطاع الحجم الكبير من المشاريع قيد الإنشاء في مختلف المناطق خاصة على سواحل البحر الأحمر والرغبة في الاستفادة من الإمكانيات الهائلة غير المستغلة في هذا القطاع.
أما في مجال البترول والغاز فان حجم الاكتشافات الجديدة والمحتملة يجذب مزيدا من الشركات العالمية للاستثمار في مصر وتجرى اكتشافات في أعماق البحر المتوسط حتى أطلق بعض المسؤولين في الشركات العالمية على مصر صفة بحر الشمال الجديد في مجالي البترول والغاز. وتسعى الحكومة للاستفادة من هذه التطورات في تدعيم التصدير وعودة الدخل الإيجابي الصافي لهذا القطاع.
وفيما يتعلق بالتصدير، وهو عنق الزجاجة وأحد نقاط الضعف التي لا يزال يعاني منها الاقتصاد المصري، فثمة بوادر تحسن تلوح في الأفق. وهو أمر لا يتعلق فقط بتحسن مؤشرات التصدير السلعي مؤخرا ولكن لأن الإصلاحات الخاصة بإزالة المعوقات أمام التصدير بدأت تتم بجدية مع وجود اهتمام خاص من جانب الحكومة. وقد تولى يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية وأحد المهندسين الرئيسيين للإصلاح الاقتصادي في مصر منذ بداية التسعينات ملف التجارة الخارجية في الوزارة الجديدة. ويرى الوزير أن حل مشكلة التصدير يبدأ من الداخل.
و يقول بطرس غالي: "نحن ندخل حاليا في الجيل الثالث من الاصلاحات الاقتصادية، و هي أصعب في تطبيقها من الاصلاحات المالية و لبنقدية. فنوعية الاصلاحات الهيكلية مثل تحرير التجارة و الاجراءات المرتبطة بها لا يكفي معها إتخاذ قرارات من جانب المسؤولين عن الادارة الاقتصادية، و لكنها تحتاج إلى مشاركة آلاف الافراد المسؤولين عن تنفيذ هذه الاجراءات، و أن يعمل جميع هؤلاء في نفس الاتجاه و بنفس السرعة. و يتطلب ذلك كثيرا من الجهد و التمويل و التدريب و التغيير في العقليات، و هو ما نحاول جديا القيام به".
و يعمل الوزير بتنسيق وتناغم كاملين مع وزير المالية الدكتور مدحت حسانين في إزالة المعوقات البيروقراطية وتحسين الخدمات التي طالما اشتكى منها المصدرون. وهذا الإصلاح الداخلي يتزامن مع التوسع في إبرام اتفاقات تجارية مع جيرانها للحصول على معاملة تفضيلية لمنتجاتها في تلك الأسواق. فقد وقعت على اتفاقية الكوميسا التي تسمح بتحرير كامل للتجارة مع 22 دولة أفريقية، كما بدأ التنفيذ الفعلي لمنطقة التجارة الحرة العربية. كذلك ينتظر أن تحدث تغييرات كثيرة داخل الاقتصاد المصري، و ستسمح لمصر بإدخال منتجاتها الصناعية إلى الاسواق الاوروبية دون عوائق جمركية منذ بدء سريان العمل بالاتفاقية.
وهذه كلها أمور تجذب المستثمرين الأجانب للتواجد و الانتاج في مصر والاستفادة من المزايا التي تتمتع بها في الأسواق العالمية. ويصل حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة سنويا على مصر بين مليار و ملياري دولار. و تتميز تلك الاستثمارات بأنها طويلة الأجل سواء من خلال إقامة مصانع جديدة أو شراء شركات إنتاجية قائمة والتوسع بها، وهو ما يعبر عن نظرة الثقة التي بدأت توليها الشركات العالمية لمستقبل الاقتصاد المصري. ويساعد على ذلك قيام الحكومة بطرح عدد من المناطق الجديدة والمشاريع الكبرى أمام مستثمري القطاع الخاص في الداخل والخارج بالإضافة إلى عودة السرعة في تنفيذ برنامج الخصخصة للشركات العامة. ويشجع المستثمرين أيضا حدوث تطور كبير في المدن الصناعية وما يطلق عليه الجيل الأول من المدن الجديدة مثل العاشر من رمضان و6 أكتوبر ومدينة السادات وبرج العرب والتي شهدت تقدما كبيرا في حجم المصانع وحداثتها وخلقت آلافا من فرص العمل في مختلف الصناعات.
ولا يكتفي الاقتصاد المصري بالتطور حجما أو في الأنشطة التقليدية ولكنه بدأ يدخل بقوة وجرأة في أنشطة الاقتصاد الجديد. ورغم أن حجم المستخدمين للحاسب الآلي والانترنت لا يزال منخفضا مقارنة بحجم السكان فإن النمو يعد من الأسرع على المستوى العالمي وقد بدأ ينتشر على مختلف المستويات. كما أن التطور السريع في استخدام الهاتف المحمول في مصر والذي ارتفع في خلال عامين إلى نحو 1.3 مليون مستخدم ينبئ بإمكانيات كبيرة لنمو السوق وعطش المستهلكين لمنتجات التكنولوجيا.
ويدعم هذه الفرص في القطاعات المختلفة وجود قاعدة صلبة في القطاع المالي تشهد تطويرا مستمرا. فهذا القطاع الذي ينمو بنحو 10% سنويا يشهد اهتماما من جانب البنوك الأجنبية والمؤسسات المالية العالمية للتواجد في السوق. وتجذب البورصة وسوق المال أعدادا متزايدة من الشباب المصري الذين حصلوا على أعلى درجات التعليم ويدخلون هذا القطاع بفكر جديد وطموحات واسعة مع الانفتاح بصورة أكبر على التطورات العالمية. كما يشهد القطاع المصرفي تحديثا داخليا سواء على مستوى القيادات والإدارة أو من الناحية التقنية واعادة الهيكلة.
وأمام التطور الذي يحدث في مختلف القطاعات فإن الحكومة في كل ذلك تعتمد تماما على القطاع الخاص سواء المحلي أو العربي والأجنبي. وهي فرص متاحة لمن يريد من المستثمرين المشاركة والمهم في ذلك هي قدرته أن يركض لكي يستطيع الدخول في ركب السباق وإضافة ديناميكية وسرعة جديدة لتنافسية الاقتصاد واندماجها في الاقتصاد العالمي. وفي هذه الحالة يتناغم حماس القطاع الخاص مع حماس الحكومة بما يضمن التحرك بسرعة دون خوف من المشاكل التي يمكن أن تعترضهم في السباق.
|