|
سوق المال من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد المصري. إلا أن طموح التوسع قد اعترضه ركودا في الاقتصاد ككل في الفترة الماضية اضافة الى تأثر البورصة باتجاهات المستثمرين الاجانب. و رغم سيطرة سهمين في الوقت الحالي على تعاملات البورصة، فإن الآفاق والطموحات لا تزال كبيرة مع توقع استمرار نمو وخصخصة الاقتصاد المصري. وقد بدأت بعض المؤسسات المالية المصرية التي ثبتت نفسها في السوق المحلية في السنوات القليلة الماضية تبحث عن دور أكبر على المستوي الاقليمي، ضمن سعي مصر للتنافس لكي تصبح مركزا ماليا اقليميا في المنطقة.
وينتظر المستثمرون في داخل مصر وخارجها عددا من فرص الاكتتاب خلال هذا العام. فبعد الطرح المهم لأسهم شركة "اوراسكوم" للاتصالات (وهي شركة قطاع خاص تمتلك حصة رئيسية في شركة "موبينيل" للتليفون المحمول) في أوائل يوليو الماضي تنتظر السوق ما أعلنته الحكومة عن طرح 20% من أسهم شركة الاتصالات المصرية الرئيسية "ايجبت تليكوم" في الربع الاخير من هذا العام. كذلك طرح حصة في إحدى شركات البترول بالاضافة الى استمرار خصخصة بعض شركات القطاع العام أعلن القيام بها هذا العام. ويأمل المتعاملون في السوق أن تؤدي هذه الطروحات إلى فتح شهية المستثمرين واجتذابهم بما يسمح بزيادة الطلب و حجم السيولة و بالتالي نمو السوق.
ولا شك أن نمو البورصة المصرية خلال العقد الماضي كان كبيرا. فيشير التقرير السنوي لبورصتي القاهرة والاسكندرية أن عدد الشركات التي يتم التعامل بها ارتفع من 218 شركة في عام 1991 الى 515 شركة في يونيو 1999. و في نفس الفترة أيضا ارتفعت قيمة التداول من 22.7 مليون جنيه الى 417 مليون جنيه، كما ارتفع حجم رأس المال السوقي من 8.8 مليار جنيه في نهاية 1991 الى 93,7 مليار جنيه في يونيو 1999 ثم الى 130 مليار جنيه في ابريل الماضي. وهو ما يعبر عن ميلاد سوق مال جديدة في فترة التسعينات تنمو بسرعة وتسعى للدخول بقوة ضمن مصاف الاسواق الناشئة.
فبعد النمو الكبير الذي شهدته البورصة المصرية في آواخر 1996 وبداية 1997على إثر تدفق الاستثمارات الاجنبية واجهت معاملات البورصة وأسعار الاسهم موجة من التصحيح والركود امتدت لاكثر من عامين و نصف و حتى آواخر العام الماضي. ومع ظهور تفاؤل في السوق بقدوم حكومة الدكتور عاطف عبيد في نوفمبر الماضي، زاد اقبال المستثمرين المصريين والاجانب على شراء الاسهم المصرية. وقد جاءت حكومة الدكتور عبيد لحل المشاكل التي عاني الاقتصاد منها مؤخرا و على رأسها التباطوء في عملية التحرير الاقتصادي وحل مشكلة نقص العملة الاجنبية وانخفاض حجم السيولة. إلا أن حالة التفاؤل بدأت تنخفض مع عدم حدوث تغيرات جوهرية وطول فترة الركود مما ادى الىتراجع الانتعاش الذي شهدته البورصة في بداية العام وانخفاض حجم الاسعار والتداول في شهر ابريل الماضي. فتضاعف حجم مؤشر سوق المال اليومي المجمع للأسهم المقيدة في البورصة المصرية من 383.04 نقطة في أوائل عام 1999 إلى ما يقرب من 685 نقطة في شهر فبراير الماضي أي بزيادة تقترب من 80% قبل أن يتراجع في نهاية ابريل الماضي الى 645,77 نقطة.
وتعتمد حركة السوق في جانب كبير منها على المستثمرين الاجانب. فمتوسط معاملات الاجانب يبلغ نحو ثلث المعاملات في السوق (أكثر من 30% من حجم التداول شهريا)، الا ان العامل النفسي لدخول و خروج المستثمرين الاجانب له تأثير أكبر على قرارات المستثمرين المحليين سواء من جانب المؤسسات أو الافراد اللذين يتقاسمان فيما بينهما الثلثين الاخرين لحجم التعامل في السوق. ويقول رئيس لإحدى شركات إدارة المحافظ المالية: "على الرغم من زيادة النضج لدى المستثمرين الافراد المحليين، فإن هذا المستثمر المحلي لا يزال يرى ان الاجنبي لديه خبرة أفضل منه أو لديه معلومة لا يدركها. وبالتاليفهو يتتبع خطواته و يسير وراء قراراته مهما كانت صحتها، وهو ما يدعم مفهوم سياسة القطيع في الاستثمار بالبورصة".
ويشير أحد المتعاملين في السوق إلى أن مصادر الاستثمار المحلية في البورصة معروفة ومحدودة، ولا يؤدي تحريك البورصة صعودا أو هبوطا إلى تدفق جديد من الاموال وهو الذي يأتي أساسا من الخارج. و على الرغم من عدم وجود بيانات محددة في هذا الشأن يقول مديرو المحافظ المالية ان الاستثمارات الخليجية والعربية ومن المصريين العاملين بالخارج تمثل جانبا مهما من الاستثمارات الاجنبية في البورصة المصرية ويقول حسن هيكل العضو المنتدب للمجموعة المالية المصرية- "هيرميس" (الخاص بنشاط بنوك الاستثمار) ان المستثمرين الخليجيين يحبون قطاعي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ويشاركون في معظم الصفقات بهما. كما أنهم مستثمرين أذكياء يعرفون متى يحققون المكاسب ومتى يخرجون من السوق.
غير أن أحد العوائق التي تواجهها البورصة المصرية في الوقت الحالي هو اندفاع المستثمرين وراء ال"موضة" العالمية في الاستثمار بأسهم الاقتصاد الجديد. فبينما كان سهم الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول "موبينيل" يستحوذ على ما يقرب من نصف معاملات البورصة في العام الماضي دخل السباق هذا العام سهم مدينة الانتاج الاعلامي. وتظهر النشرة الشهرية لوزارة الاقتصاد ان حجم التعامل في أسهم مدينة الانتاج الاعلامي بلغ في ابريل الماضي نحو 44% من اجمالي قيمة التداول في البورصة، بينما سيطرت أسهم "موبينيل" على 31% من اجمالي قيمة التداول. أي أن البورصة تحولت من بورصة السهم الواحد في العام الماضي الى "بورصة السهمين" خلال هذا العام تسيطر خلاله على 75% من حجم التعامل الكلي. ويؤثر ذلك على التداول على باقي الاسهم في الانشطة التقليدية والتي يبلغ عددها نحو ألف شركة في السوق من بينها حوالي مائة شركة نشطة التداول. و تشكل السندات نحو 5% من اجمالي التداول و لا يتبقي إذا سوى نصف مليار جنيه فقط ( أي نحو 15% من إجمالي التداول) للتعامل في باقي الاسهم. وأدى هذا الى عدم حدوث ارتفاعات في اسعار اسهم الاقتصاد التقليدي رغم النتائح الجيدة وتزايد الارباح و النمو التي تشهدها كثير من تلك الشركات المقيدة في البورصة. كما أدى ذلك أيضا الى استمرار العائد السلبي لأغلب صناديق الاستثمار العاملة في السوق والتي تركز في استثماراتها على الاسهم المتداولة في السوق المصرية. كما أسهمت هذه الظاهرة أيضا في تنامي الشعور بمفهوم المضاربة في عقلية المستثمر في البورصة نظرا لاستمرار الشراء على سهمين بغض النظر عن الاداء الجيد للشركات الاخرى ذات أسعار الاسهم المنخفضة.
وتعد الآفاق والفرص المتاحة بالبورصة المصرية متميزة مقارنة بباقي الاسواق الناشئة. فبجانب المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري التي تمثل قاعدة استقرار قوية مثل الانخفاض في معدلت التضخم و اعجز الحكومي و ميزان المعاملات الجارية، فإن أسعار الاسهم المصرية لا تزال جذابة مقارنة بلاسواق الناشئة الاخرى. و يوضح تقرير وزارة الاقتصاد أن البورصة المصرية احتلت المركز التاسع بين 34 سوقا ناشئة في شهر مارس الماضي من حيث العائد النقدي الذي بلغ 3.8%، بالاضافة إلى مضاعف ربحية (P/E ratio) منخفض وصل إلى 13 مرة رغم إرتفاعه من حوالي 7 في آواخر العام الماضي.
وان كان بعض المستثمرين ينظر في ترقب الى ما ستقوم به الحكومة في مجال السياسات النقدية والمالية والخصخصة، خاصة في معالجة ارتفاع اسعار الفائدة ونقص السيولة واستقرار سعر الصرف، فإن المؤسسات المالية الاجنبية كان لها تحرك مهم في خلال الفترة الماضية عن طريق شراء أو الاندماج مع المؤسسات العاملة في سوق المال المصرية. ففي خلال العامين الماضيين حدث عدد من عمليات الاندماج والاستحواذ من جانب بنوك الاستثمار العالمية و هو ما يعبر عن ثقتها في توسع سوق المال المصرية. و من أهم هذه الامثلة الاندماج الذي حدث بين شركة "فليمنجز" البريطانية وشركة "سي أي أي سي" المصرية وبين "اي بي ان أمرو" الهولندية والدلتا للسمسرة ومؤخرا قيام "سيتي بنك" بشراء 20% من أسهم شركة المجموعة المالية المصرية- "هيرميس" و التي تتداول أسهمها في البورصة المصرية وفي شكل شهادات ايداع دولية ببورصة لندن.
ويقول حسن هيكل: "هذه الصفقة ساهمت في تدعيم قاعدة رأس المال للشركة بسبب حجم الاستثمار الجديد الذي بلغ 40 مليون دولار، مما رفع رأسمال المجموعة الى نحو 90 مليار دولار. كما أن "سيتي بنك" مستثمر ذو كفاءة مرتفعة وهو أحد أفضل وأكبر المؤسسات المالية العالمية. نحن نسعي للتوسع اقليميا وشعارنا: اقليم واحد، وبنك استثمار واحد. ونعني بالاقليم هنا الدول العربية من المغرب الى دول الخليج مع اعطاء أولوية للجزائر والاردن ولبنان وسوريا والخليج، بما فيها السعودية، والسودان. ونريد أن نكون الوسيط لجميع الصفقات المالية في جميع الدول في المنطقة ". وقامت المجموعة المالية "هيرميس" في السنوات القليلة الماضية بتنفيذ عدد من العمليات في الدول العربية في مقدمتها خصخصة شركة اسمنت أردنية واستحواذ "اوراسكوم" للاتصالات على شركة التليفون المحمول في الاردن. كما قامت مؤخرا بشراء 20% من أسهم "مكتوب" الاردنية و هو الموقع الرئيسي باللغة العربية على شبكة الانترنت.
ويوجد أيضا عدد من المؤسسات المالية الناشئة التي بدأت تثبت أقدامها في السوق وتتوسع وتنضج لكي تقوم بكافة أنشطة بنوك الاستثمار مثل "فليمنجز"،"سي أي أي سي" و"أتش سي" للاوراق المالية، كما بدأت تظهر شركات جديدة ذات قيادات شابة مثل شركة "سيجما" والتي تقوم بأنشطة بنوك الاستثمار مع التركيز على قطاعات الاقتصاد الجديد في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. كذلك من الامثلة الواضحة أيضا في السوق شركة التجاري الدولي للسمسرة في الاوراق المالية. والشركة وهي ذراع السمسرة البنك التجاري الدولي في السوق استطاعت خلال فترة وجيزة منذ نشأتها في عام 1998 ان تحتل المركز الثاني في العام الماضي من حيث حجم العمليات المنفذة في السوق. كما انها تملك أكبر شبكة من فروع السمسرة في مصر بحوالي 10 فروع للسمسرة متصلة جميعها بالبورصة لاجتذاب عدد اكبر من العملاء. و تقوم الشركة بتنفيذ عمليات الشراء و البيع لشهادات الايداع الدولية. و لدى الشركة قطاع متميز للبحوث يمد السوق بالمعلومات و التحليلات المهمة لقرار الاستثمار. و قررت الشركة (المملوكة بالكامل للبنك التجاري الدولي) مؤخرا رفع رأسمالها من 5 إلى 20 مليون جنيه و هي الخطوة التي يمكن أن تمكنها من القيام بدور صانع السوق في تداول السندات من خلال الاجراءات المنظمة الجديدة التي تم اتخاذها في هذا المجال.
هذا النمو في المؤسسات المالية المصرية هو الذي يمكن مصر من تحقيق رغبتها في أن تصبح مركزا لتقديم الخدمات المالية في المنطقة وهو ما يتنافس عليه عدد اخر من الدول مثل لبنان و المغرب و البحرين و الكويت و تركيا. يقول هيكل: "القاهرة هي المركز المالي لأنها تملك المؤسسات المالية المناسبة. ولا توجد دولة أخرى في المنطقة لديها عدد من بنوك الاستثمار المحلية ذات الكفاءة والقوة مثلما هو متواجد في مصر. بالاضافة إلى ذلك فإن هذه المؤسسات المالية لديها حجم كبير من المعاملات في السوق المحلية الذي يمكنها من التعامل في الاسواق العربية الاخرى".
وسوف يكون على البورصة المصرية أن تحل مشاكلها الداخلية واسترجاع ثقة المستثمرين الاجانب والمحليين بها حتى تتوسع على المستويات المختلفة قبل أن تحقق طموحاتها الاقليمية، و هو أحد الطرق الضرورية لتحقيق الهدف الأهم و هو الاندماج في أسواق المال العالمية.
|