|
هناك مشاريع عديدة يجري تنفيذها على قدم وساق على سواحل البحر الاحمر. انه مشهد يمكن للمرء أن يراه في مدينة طابا بسيناء خاصة على الطريق الذي يربطها بمدينة نويبع، و أيضا في خليج سوما على بعد عدة كيلومترات من الغردقة عاصمة محافظة البحر الأحمر. هذا الاهتمام المصري والأجنبي بالمشاريع السياحية يعكس الطموحات والإمكانيات غير المستغلة في قطاع السياحة المصري. غير أن صعود السياحة لكي تلعب دورها المنتظر في قيادة الاقتصاد للنمو السريع ولكي تصبح أكثر القطاعات توليدا للدخل خلال السنوات الخمس القادمة يلزم ما هو أكثر من مجرد مشاريع جديدة. المطلوب هو كثير من الأفكار الغير تقليدية والاستثمار في البنية التحتية وقبل كل ذلك الارتقاء بمستوى الخدمات التي ترضي السياح والتي تمثل أهم التحديات التي تواجه نمو هذا القطاع. وتشير تقارير وزارة السياحة أن عام 99 شهد معدلات نمو غير مسبوقة في عدد السياح الذين توافدوا الى مصر، حيث بلغ عددهم نحو 5 مليون سائح وهو أكبر عدد من السياح يزور مصر خلال عام في التاريخ الحديث.
ويقول الدكتور ممدوح البلتاجي وزير السياحة: "ان زيادة عدد السياح هي نتيجة مباشرة للسياسة التسويقية ومشروعات التنمية في هذا القطاع التي تقوم بها الحكومة. إذا استمر معدل الزيادة على نفس المستوى في خلال السنوات الخمس القادمة يمكننا توقع وصول نحو 9.5 مليون سائح في عام 2005. نحن نسعى إلى أن يقابل هذه الزيادة توسع مماثل في القدرة الاستيعابية للفنادق، كذلك التوسع في جذب سياح من مناطق جديدة واستمرار الجهود التسويقية في الأسواق التقليدية مع التركيز علي الفئات ذات الإنفاق الأعلى، بالإضافة إلى تنويع أنشطة الجذب السياحية مثل السياحة الدينية والعلاجية والبيئية والرياضية ورحلات السفاري والمؤتمرات".
وكانت السياحة قد واجهت أوقاتا عصيبة في عام 98 في أعقاب حادثة الأقصر في نوفمبر 97 والتي أدت إلى تراجع السياحة بنحو 20% مقارنة بالعام السابق. وتسبب ذلك في حرمان الاقتصاد من مدخول يقدر بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار من العملات الاجنبية. وتزامن ذلك مع عوامل خارجية أخرى مثل انخفاض أسعار البترول وانخفاض الاستثمارات الأجنبية على إثر الأزمة الأسيوية التي تسببت أيضا في إضعاف فرص الصادرات المصرية، وهو ما أدي في النهاية إلى حدوث عجز ملحوظ في الميزان الجاري وفي تدفق العملات الأجنبية، مما جعل الحكومة تتبع سياسة نقدية انكماشية أدت إلى إحداث ركود في النصف الأول من هذا العام.
إلا أن هذه الفترة لم تمنع القطاع الخاص من التوسع في مشاريع سياحية جديدة أو أن تسعى الحكومة لتحسين البنية التحتية اللازمة لتهيئة المناخ وتحسين نوعية الخدمات. ومنذ عام 93 ساهم القطاع الخاص بنسبة 100% من المشاريع السياحية التي اقيمت. وتشير بيانات وزارة السياحة إنه خلال الفترة 93- 1999 استثمرت شركات القطاع الخاص في 687 مشروع سياحي تغطي أنشطة متعددة. بينما ركزت الحكومة خلال هذه الفترة على مشاريع البنية التحتية الكبيرة وعلى رأسها المطارات، حيث بدأت لأول مرة في عام 96 استخدام نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) لإنشاء مطارات في المناطق السياحية مثل مطار مرسى علم على ساحل البحر الأحمر (200 كم جنوب الغردقة) والذي ينتظر افتتاحه في النصف الأول من عام 2001. كذلك مطار رأس سدر على خليج السويس (200كم من القاهرة) والذي ينتظر افتتاحه في النصف الأول من عام 2002. بالإضافة إلى مطار العلمين في الساحل الشمالي الغربي الذي ينتظر بدء العمل به أيضا في النصف الأول من عام 2002. كما يتم في الوقت نفسه التوسع وتحديث مطارات القاهرة والأقصر والغردقة وشرم الشيخ، وينتظر إنشاء مطارات جديدة أخرى في جبل الزيت شمال الغردقة والعين السخنة ومطار محلي في دهب.
وأغلب الأسماء الكبيرة من الشركات السياحية العالمية متواجدة في مصر. فمشاريع القرى السياحية وتنمية الفنادق تمثل فرصا كبيرة للمؤسسات المصرية والعالمية على التواجد وهو ما يدل أيضا على إيمان هذه المؤسسات بالمستقبل الجيد المنتظر للسياحة في مصر. بل أن كثير من كبار رجال الأعمال والصناعة اتجهوا للسياحة لتنويع استثماراتهم وتوفير المساندة المالية لمشروعاتهم الأصلية.
ومن الشركات العالمية المتواجدة في قطاع السياحة مجموعة فنادق "جولي فيل" التي تملك عددا من القرى والفنادق في المناطق السياحية المختلفة. و آخر هذه المشاريع هو منتجع "جولي فيل" للجولف في شرم الشيخ، و هو منتجع فخم يضم 18 ملعبا للجولف و شاطئ صناعي مبني على طراز مبهر يضعك في جو الغابات و الادغال. هذا الشاطئ محفور في الصخر المطل على البحر.
ويدير المجموعة حسين سالم وهو أحد كبار رجال الأعمال في مصر ويرأس عددا من الشركات تصل حجم استثماراتها إلى نحو 10 مليار جنيه. وهو متواجد بقوة في مجال الطاقة من خلال شركات "ميدور" و "ميديليك" و شركة غاز شرق البحر المتوسط. و يرأس مجموعة من المشروعات السياحية من خلال مجموعة فنادق "جولي فيل".
كذلك تتواجد بقوة في مصر مجموعة "أكور" الفرنسية والتي تملك وتدير عددا كبيرا من الفنادق والمشاريع السياحية في مصر من بينها "اولد كتراكت" و"وينتر بالاس" في أسوان، كما قررت منذ عدة شهور لأول مرة الاهتمام بالتوسع في إنشاء فنادق ذات نجمتين وثلاثة، وهو ما كان ينادي به الكثيرون منذ فترة طويلة حتى يمكن للقاهرة أن تجذب نوعيات ومستويات مختلفة من السياح بدلا من الاعتماد فقط على فنادق الخمس نجوم.
كما تم في الفترة الأخيرة افتتاح عدد من الفنادق الكبيرة من بينها فندق "كونكورد" و"الفور سيزونز" على النيل بوسط العاصمة وهي تتميز بالجودة العالية والحجم الكبير.
ومثلما يوجد فنادق كبيرة توجد أيضا مشاريع كبيرة مثل منطقة الجونة بجوار الغردقة والتي استطاعت من خلالها عائلة ساويرس أن تجعلها مدينة سياحية متكاملة تشمل بجانب الفنادق وسائل ترفيه وانتاج مختلفة. كذلك المشروع الجديد خليج سومي الذي يظهر إمكانية التنمية السياحية في مصر بشكل كبير في وقت قليل.
وتعد سيناء، وعلى الأخص طابا، من المناطق التي ينتظرها نمو كبير في الفترة القادمة. فهي من المناطق السياحية البكر حتى الآن رغم النمو الهائل الذي شهدته مناطق أخرى قريبة مثل شرم الشيخ. ويجرى العمل حاليا لإنشاء عدد من الفنادق والأماكن الترفيهية لجذب السياحة الأجنبية.
غير أن هذه المشاريع، خاصة التي تقع على ساحل البحر الأحمر، لا تخلو من تحديات على رأسها الحفاظ على البيئة. فعنصر الجذب الرئيسي لهذه المنطقة هو ما تتميز به من ثروة سمكية وشعب مرجانية وطبيعة خلابة في أعماق البحر. وتسبب الكثير من المشاريع في الفترة الماضية في أذى لهذه الثروة الطبيعية، رغم حرص الحكومة الذي أعلنته بهذا الخصوص لضمان استمرار جاذبية المنطقة وتفردها على المدى الطويل.
أما التحدي الاكبر أمام التنمية السياحية في الفترة القادمة فهو كيفية التغلب عل تدني مستوى الخدمات. فعلى الرغم من كرم الضيافة والترحاب الذي يقابل به المصريون السياح بصفة عامة فإن هناك تدني في مستوى الخدمة يرجع في جانب كبير منه النقص في التعليم وعدم توافر هذا النوع من الثقافة، وهو ما تحاول شركات الإدارة العالمية توفيره في الوقت الحالي من خلال تدريب العاملين من الشباب المصري. كما يشمل تدني مستوي الخدمة أيضا مجال النقل خاصة النقل الجوي الداخلي، وهو ما يفسح المجال للمنافسة حتى تتحسن الخدمة.
وتتميز كل منطقة سياحية بنوعية معينة من الزوار. فسياحة الآثار يفضلها اليابانيون بينما يعد الفرنسيون أكثر السياح ترددا على الرحلات النيلية بين الأقصر وأسوان ويشمل ذلك زيارة الآثار الفرعونية في هذه المناطق. أما منطقتي شرم الشيخ والغردقة فعلى الرغم من أنهما تجذبان معظم الجنسيات فإن التواجد الرئيسي هو للإيطاليين والألمان. أما السياح العرب والخليجيون فيفضلون القاهرة والإسكندرية ثم شرم الشيخ. وتحتل الدول العربية المركز الثاني بين السياح القادمين إلى مصر كما يحتل السياح العرب مركز الصدارة من حيث معدل وقت البقاء والأنفاق.
وتكون السياحة الخليجية على أشدها في شهري يوليو وأغسطس كما يلاحظ المرء في مناطق المهندسين والدقي والزمالك. وعندما تدخل فنادق الخمسة نجوم في وسط العاصمة وفي تلك المناطق يخال لك أنك سافرت بالفعل إلى إحدى دول الخليج. كما أن أحد عادات السياحة الخليجية هو تأجير وشراء شقق في المناطق المتميزة لقضاء فترات طويلة بدلا من الذهاب للفنادق. وإذا أردت المرور بشارع مثل جامعة الدول العربية بالمهندسين في هذه الفترة فعليك أن تعرف أن ساعات الذروة هي بين الثانية عشر ليلا والخامسة صباحا!
ويقول البلتاجي:" السياحة تعد أحد الروابط الأساسية التي تجمع بين الدول العربية. من هذا المنطلق نضع السياحة العربية على رأس أولويات الوزارة. ولأهمية السياح العرب فهم يستحقون افضل نوع من الخدمات وهو ما تسعى إليه الحكومة من خلال تقديم تسهيلات مثل إلغاء التأشيرات وملكية العقارات واستخدام الفنون المعمارية التي تتوافق معهم في القرى السياحية".
ولعل هذا التنوع في مصادر الجذب السياحية هو الذي يعطي السياحة المصرية آفاقا أوسع للنمو في الفترة القادمة. ومن المؤكد أن حضور 5 مليون سائح في العام الماضي - رغم أنه الأعلى تاريخيا - لا يعبر عن الإمكانيات المتاحة لهذا القطاع، ومقارنة بدول كأسبانيا وفرنسا التي يزورها سنويا نحو 60 مليون سائح. فالسياحة في مصر لها افاق واسعة يمكن استغلالها بشكل أفضل سواء كانت أثرية فرعونية أو دينية إسلامية ويهودية أو مسيحية (تم في أول يونيو الماضي الاحتفال بتتبع أثار طريق العائلة المقدسة ابان إقامتها في مصر)، أو من خلال المساحة الهائلة من الشواطئ في مختلف الإنحاء، والطقس المعتدل المستقر معظم اوقات السنة، وقبل كل ذلك الترحاب وكرم الضيافة. ورغم حساسية هذا القطاع للأحداث الخارجية والداخلية فإن من المتوقع ان تصبح السياحة قوة مؤثرة وقيادية في نمو الاقتصاد المصري كمصدر دخل رئيسي بالعملة الاجنبية.
|