برزت مصر بشكل فريد كمثال لإقتصاد سوق ناشىء ناجح خلال التسعينات. لكن في العام 2001، دفع البطء في النمو الإقتصادي وسياسة الحكومة القطاع الخاص الى التساؤل عمـّا إذا كانت الحكومة ملتزمة فعلاً بإقتصاد سوق مصر الجديد. هذا الإنكماش زادته سوءاً التوقعات الاقتصادية العالمية لما بعد 11 ايلول. ستكون القرارات المتخذة في هذه الفترة حاسمة بالنسبة إلى نمو البلاد المستقبلي.


تواجه مصر ازمة هوية في العام 2001 من جهة، وبصفتها " اقتصاد سوق ناشئ "، تظهر سرعة تحولها الاقتصادي ونطاقه خلال العشر سنوات المنصرمة ان مصر من اكثر النماذج الاختبارية نجاحا في العالم.
انخفض الدين الخارجي والتضخم والعجز في الميزان التجاري وعجز الموازنة بشكل مقنع فيما سجل نمو اجمالي النتج الداخلي ومؤشرات البورصة والاستثمار ارتفاعا كبيرا. كان نجاح مصر مميزا لاسيما انه تحقق في وقت كانت سائر الاسواق الناشئة تعاني من تقلبات اقتصادية متنامية، وكان النمو الفريد من نوعه في الاسهم المالية الاميركية يحول دون انتهاز معظم رساميل البلدان الغنية الفرص في البلدان النامية. لكن في السنتين المنصرمتين، تراجعت النتائج الايجابية التي سجلت خلال السنوات العشر الماضية واصبح النمو الاقتصادي في حالة بطء او جمود او حتى ركود بالنسبة الى المتشائمين في القطاع الخاص.
ان هذا الانكماش العالمي الذي حدث بسبب احداث 11 ايلول زاد من الاعباء بالنسبة الى السياسة الخارجية المصرية، الامن الداخلي، وفوق هذا كله الاقتصاد المصري. وفي حين انخفضت عائدات تصدير النفط فإن التقديرات تشير الى انخفاض في السياحة بنسبة 40 الى 50 في المائة منذ 11 ايلول. وفي محاولة للحد من هذا الاتجاه ولجمه، اجرى الرئيس مبارك تعديلا وزاريا طفيفا تضمن تحويل " وزارة الاقتصاد" الى " وزارة التجارة الخارجية". والهدف الرئيسي هو تحسين الصادرات والحد من الواردات. لكن بالرغم من التسليم بخروج الظروف عن سيطرة الحكومة، هنالك جدل حول عنصر داخلي وهو ان النمو الشديد اصطدم بقيود النظام.
ادت الشكاوى حول سرعة الاصلاح وعمقه خلال السنوات الماضية الى التساؤل عما اذا كانت صورة هذه السوق الناشئة النموذجية مضمونة. خلف الاحصاءات الممتازة لاقتصاد مصر دولة مقتنعة بشكل خطير بأن للإستقرار السياسي اولوية على الاصلاح.
يعتبر الكثير من المسؤولين الحكوميين ان هذه التهمة قاسية. وتظهر مقارنة المؤشرات الاقتصادية الاساسية في بداية التسعينيات بالارقام الحالية مدى تغير الاقتصاد ( راجع الرسم البياني). يقدم المسؤولون الحكوميون صورة ايجابية عن مناخ الاستثمار وتوقعات النمو الاقتصادي في مصر. يقول وزير التجارة الخارجية، الدكتور يوسف بطرس غالي، ان التراجع الذي سجل في السنوات الماضية هو نتيجة " التقويم ... لاعادة التوازن اللازم من أجل تسجيل نسبة نمو مرتفعة".
غير ان شركات القطاع الخاص تقول ان الاقتصاد في تراجع وإن الاستثمار جامد بسبب تخلف الحكومة عن التصرف كما يجب، على سبيل المثال في مجال تطبيق السياسة النقدية.
لعل السبب الوحيد للتراجع الاقتصادي الحالي هو النقص المستمر والحاد في السيولة والذي يعود الى حد بعيد لعوامل خارجية. ان " أزمة السوق الناشئة" سنة 1998 التي تسببت بانخفاض اسعار العملات وهروب الرساميل الاجنبية من آسيا، اميركا اللاتينية وروسيا مهدت الطريق لسحب الاموال الاجنبية من البورصة المصرية وادت الى ارتفاع كبير في الواردات اذ اتنهز التجار فرصة التخزين الاحتياطي، مستغلين الاسعار المتدنية للسلع. في الفترة ذاتها تقريبا، خف المصدران الاساسيان للعملات الصعبة في مصر. فقد سبب قتل 58 سائحا في الاقصر على يد اسلاميين متشددين انخفاضا حادا في توافد السائحين. وادى سعر النفط العالمي، الذي انخفض الى مستويات ما قبل الثمانينيات، الى استنفاد ايرادات مصر من حيث العملات الصعبة. وازداد الضغط على الاقتصاد بسبب انفاق الحكومة الزائد على مشاريعها الزراعية والصناعية في الصحراء – ما يعرف بالمشاريع الضخمة – التي يتطلب بناؤها كمية كبيرة من المواد المستوردة. كما كدست الحكومة متأخرات ضخمة تعود للمتعهدين والموردين المحليين فيما ارغمت على زيادة الانفاق الاجتماعي للتخفيف من وقع الاصلاح الاقتصادي.
ضغط الانخفاض الحاد في حجم العملات الاجنبية على نظام سعر الصرف الحكومي الذي يثبت سعر صرف الجنيه المصري تجاه الدولار الاميركي. ويعتبر الكثيرون ممن يعملون في القطاع الخاص انه كان على الحكومة ان تتنتهج سياسة اوضح عبر السماح بخفض قيمة الجنيه للتكيف مع شروط السوق الجديدة وتطبيق سياسة نقدية توسعية معتدلة وخلق حوافز ضرائبية لمواجهة الدخل المنخفض. يقول احد العاملين في قطاع المصارف الاستثمارية بلهجة محبطة: " طلبنا من الحكومة القيام بذلك منذ ثلاث سنوات ".
لكن السياسة النقدية عكست قناعة المسؤولين المصريين بانهم كانوا في وضع صعب. كان الحفاظ على قيمة الجنيه وكمية مرتفعة في احتياطات العملات الاجنبية سمة نجاح البلاد. خشيت الحكومة التسبب بازمة ثقة وتعزيز المخاوف من تضخم جامح وتخفيض لقيمة الجنيه المصري لو قامت بتحرير نظام صرف العملات ومعدلات الفائدة وزيادة الانفاق. لكن الدفاع عن العملة الوطنية عبر الحد من تلبية الطلب على العملات الاجنبية من خلال معدلات فائدة مرتفعة، اعاق الاقتصاد ودفع المستثمرين الى الرحيل بأي حال. وتحول تفاؤل المستثمرين الذي كان كبيرا جدا خلال معظم التسعينات، الى تشاؤم مفرط. تدنى نشاط البورصة بنسبة 60% وعلى عكس ترقبات الحكومة،يتوقع معظم المحللين الاقتصاديين انخفاضا في النمو الاقتصادي للسنة الثانية على التوالي.
يكمن التحدي الذي يواجهه مديرو الاقتصاد في مصر سنة 2001 في استعادة ثقة المستثمر وتعزيز احتمالات بلوغ نمو قوي. يقول العاملون في القطاع الخاص إن ذلك يتطلب تركيزا أقل على الاستقرار والامن على حساب الاصلاح كما يتطلب مزيدا من التحرر.
تدعو عملية الخصخصة الى القلق الشديد، فقد تباطأت وتيرتها في السنوات الاخيرة بسبب خوف الحكومة من ان يتسبب صرف العمال المفرط بحشد من العاطلين عن العمل. وبما أن الشركات المنتجة المملوكة من الحكومة قد بيعت، بقيت شركات أقل إغراء متوافرةلمستثمرين يفتقرون الى الحماسة. إن بيع ممتلكات الحكومة منتظر بفارغ الصبرفي قطاع الكهرباء و في شركة الاتصالاات الوطنية "تليكوم ايجبت" (Telecom Egypt) التي يأمل المستثمرون أن تحرك البورصة. أما الممتلكات الحكومية الأخرى فهي شركة الطيران الوطنية مصر للطيران و المصارف الأربعة ليست مدرجة على لائحة الخصخصة.
و تبذل الحكومة جهودا حثيثة لتعزيز العملة الوطنية. بهدف تخفيف الضغط عن الجنيه، قامت الحكومة بضخ السيولة مرارا في السنة المنصرمة و سددت المتأخرات للمتعهدين و الموردين المحليين. كما أنها اعتمدت نظاما أكثر ليونة لسعر الصرف، متيحة لقيمة الجنيه المصري الانخفاض مقابل الدولار من 3.30 الى 3.85 جنيه مصري في العام المنصرم. و في خطوة رحب بها مدير صندوق النقد الدولي، السيد كورست كولير، أثارت الحكومة انخفاضا اضافيا بنسبة 6.5 %في قيمة الجنيه في شهر آب فهبط سعر الصرف تجاه الدولارمن 3.90 الى 4.15 جنيه فيما ضاعفت في الوقت نفسه هامش العملة ليراوح بين زائد أو ناقص 3%.
اذا تمكنت الحكومة من اثارة اهتمام المستثمر و اقناع منتقديها بأنها ملتزمة بالتغيير الجذري، تكون توقعات الاقتصاد الكلي ايجابية. و بالرغم من ارتفاع العجز المالي هذه السنة بسبب تسديد الحكومة المستمر للمتأخرات المتوجبة عليها (الذي يقول الكثيرون انه عجز ايجابي في هذه الفترة نظرا للحاجة الى سياسة مالية ونقدية توسعية) الا ان الحساب الحالي شبه متوازن اذ سجل قطاع المحروقات انتاجا فائضا من جديد، كما ان احتياطيات العملات الاجنبية كافية وتبلغ 14 مليار دولار اميركي. ان اكبر تحد تواجهه مصر هو خلق وظائف منتجة لسكانها البالغ عددهم 67 مليون نسمة وتقديم نظام سياسي اكثر شفافية ومسؤولية.
السؤال المطروح اذا هو: أي مصر؟ يريد القطاع الخاص ان تقرر الحكومة ما اذا كانت معقلا شفافا للاقتصاد الشامل واذا كانت مستعدة لاطلاق العنان للقوى الاقتصادية التي قد تحل مشاكل مصر الاساسية – عمالة منتجة، بيروقراطية وصناعة تنافسية - . او هل تبقى الحكومة متعلقة بدورها الابوي، فتدعم المصالح التقليدية ولا تحتمل الاصلاح؟ قرب العقد الاخير من القرن العشرين مصر من اقتصاد حديث مزدهر. وسيقرر العقد الاول من القرن الحالي ان كانت مصر قادرة على بلوغ هدفها.


Back to top