سواءً كان ذلك صحيحاً أو خطأ، يتمّ الحكم على إلتزام الحكومة بإصلاح السوق من خلال الخصخصة.

قامت عملية الخصخصة في مصر بتغيير وجه الإقتصاد المصري تماماً، ربـّما أكثر من أي إصلاح آخر أجري في التسعينات.
عندما تمّ إعتماد الإصلاح الإقتصادي في العام 1991، أقرّ مجلس النوّاب قانون الخصخصة (قانون رقم 203). ووُضعت لائحة بـ 314 شركة حكومية قابلة للخصخصة من قطاع الصناعة خصوصاً لكن ذات مصالح في قطاعات المال والضمان والبناء والخدمات أيضاً.
في العام ،2001 كانت 184 شركة من هذه الشركات قد خضعت للخصخصة الجزئية أو الكلـّية أو للتصفية.
حتى اليوم، بلغ إجمالي عائدات الخصخصة ما يزيد عن 15 مليار جنيه مصري (3.75 مليار دولار أميركي) وهي تستخدم لتمويل خطط صرف الفائض ومعاشات التقاعد أو لتسديد دين الحكومة.
لا يمكن التقليل من أهمية وقع هذه العملية .إذ إن سوق الرساميل المصرية، التي كانت غير ناشطة منذ سياسات التأميم خلال الستينات، نمت بفضل الخصخصة بشكل سريع جداً بحيث أصبحت من أفضل أسواق الرساميل في البلدان النامية بين العامين 1994 و1997. سجـّل مؤشـّر المجموعة المالية المصري، وهو مؤشـّر رسملة للأسهم المتداولة علانيةً في البورصة، معدل نمو سنوي بنسبة 157.9% سنة 1994 عندما تباطأ سير عملية الخصخصة سنة 1995، إنخفض المؤشـّر بنسبة 19% من حيث الدولار لكنه إستعاد نموّه بزخم في العامين 1996 و1997 عندما بيعت عدّة شركات مملوكة من الحكومة وقد سجـّلت السوق نموّاً بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق.
لكن بالرغم من الزخم الذي ولدته الخصخصة في السوق، إلاّ أن الحكومة ما زالت غير مستعدّة لإستعجال الأمور لسبب رئيسي هو العمالة. تقول الحكومة إن قوى مصر الداخلية يجب أن تعيـّن سرعة الخصخصة. أي يجب تخطـّي معارضة القاعدة الشعبية للعملية عبر وعدها بأن بيع ممتلكات الحكومة لن يكون على حساب الوظائف. ويشكـّل ذلك عائقاً مهماً. تستخدم الحكومة نحو ثلثي القوى العاملة أي ما يعادل 6.2 مليون شخصاً. بالمقارنة، تستخدم المملكة البريطانية 650000 موظف فقط علماً أن عدد سكانها مشابه لعدد سكان مصر. نيتجة ذلك، تتقدّم الخصخصة بالسرعة التي تسمح بها خطط صرف فائض الموطفين ومعاشات التقاعد.
في العام 2000 منحت الحكومة تعويضات تقاعدية مبكرة لنحو 120000 موظف، أي ما يزيد عن 2% من إجمالي القوى العاملة في الحكومة. وقد موّلت هذه التعويضات من إيرادات الخصخصة.
تراجع إهتمام المستثمرين مقارنةً بالتسعينات عندما كشفت الفورة الأولية لعمليات الخصخصة عمـّا تبقّى : شركات تعاني من عدد مفرط من الموظفين ومن أداء سيء بحيث لا تتشجـّع الحكومة أو المستثمر على مواجهة الصعوبات السياسية والتجارية التي قد تنتج عن شرائها أو بيعها.
في العام 2001 ستتابع الحكومة ما بدأته. تقول وزارة المؤسسات العامة إنها تهدف الى بيع 50 شركة في العام 2001 وتتوقـّع إدخال عائدات بقيمة 400 مليون دولار. غير أن أكبر الشركات المملوكة من الحكومة -''إيجبت تليكوم''، مصر للطيران والمصارف الأربعة الحكومية المسيطرة على القطاع - تبقى خارج لائحة الخصخصة وتستبعد خصخصتها قريباً.
تمّ تأخير بيع أسهم شركة ''تليكوم إيجبت'' وهي أضخم مؤسسة عامـّة من حيث عدد الموظفين والنشاط المالي - لأن الحكومة مقتنعة بإمكانية حصولها على سعر أفضل عندما تزول الفوضى التي تعمّ قطاع الإتصالات العالمي. أمـّا المصارف فتعتبر غير جاهزة لإعادة الهيكلية. من جهة أخرى، تقول إدارة مصر للطيران إن الشركة ليست للبيع.

البيع
شركة الصناعات المعدنية إحدى أدوات الحكومة الأكثر نجاحاً في مجال التخلي عن المنشآت العامة

في بداية عملية الخصخصة، نـُـقلت السيطرة على المؤسسات العامة المختارة للخصخصة من يديّ الوزارات المعنيـّة الى شركات قابضة حكومية ضمن وزارة المؤسسات العامـّة. إن هذه الشركات القابضة العامـّة مسؤولة عن إدارة وإعادة تأهيل الشركات الواقعة تحت سيطرتها بهدف إعدادها للبيع. تغطـّي الشركات القابضة، المقسـّمة بحسب القطاعات، المصالح الحكومية في مجال التجارة وصناعات المعادن والتعدين والبناء والهندسة والصناعات الكيميائية والنقل وصناعات الأغذية والسكن والسياحة والسينما.
إن شركة الصناعات المعدنية من أضخم هذه الشركات وأكثرها نجاحاً. أسـّست لتكون أداة تتيح للحكومة التخلي عن منشآتها في قطاع التعدين والصناعة الثقيلة. في البدء، ركـّزت هذه الشركة القابضة على قطاع المعادن فقط، بما فيها الصناعات الحديدية وغير الحديدية مثل الفولاذ والحديد والمعادن الممزوجة. وأدخلت فيما بعد شركات أخرى في مجال السيراميك والنقل وصناعات القطارات وإنتاج الإسمنت. تتضمّن هذه الشركة 24 مؤسسة. وتتركز نشاطاتها بشكل خاصّ على إعداد هذه المؤسسات للخصخصة عبر إيجاد شرّاء وإنفاق المال على إعادة تأهيل المؤسسات غير المنتجة لجذب الشرّاء وإدارة الموجودات المالية بما فيها الأسهم والسندات. وتقوم ببيع الشركات أو تنشىء إتحادات مع المستثمرين الخارجيين.
لاقت هذه العملية التي تمّت باشراف الشركة القابضة النجاح عبر شركتين في قطاع الإسمنت: ''أسيوط سمنت'' في مصر العليا و''العامرية سمنت'' شمالي البلاد. بيعت هاتان الشركتان كليـّاً لمستثمرين أساسيين. بيعت الأولى لشركة ''سيمكس'' المكسيكية. أمـّا الثانية فبيعت لشركة ''سيمبور'' البرتغالية.
بالتالي، تهدف المهمة الرئيسة للشركة القابضة الى النجاح في إجتذاب المستثمرين العالميين الى مصر وإثارة إهتمامهم بشركاتها. يقول رئيس شركة ''هولدينغ'' السيد عادل دنف إن إعداد شركاته للبيع مهمـّة معقـّدة وذات صعوبة متزايدة. ''عندما أطلقنا عملية الخصخصة، بدأنا بالشركات التي تدرّ الأرباح عبر عرض أسهمها للبيع في البورصة. أمـّا الآن، فبقيت مجموعة من الشركات التي علينا إيجاد مستثمر أساسي لها. لا يمكننا خصخصتها عبر سوق الرساميل لأنـّها غير مغرية بما فيه الكفاية. ليس من السهل إيجاد مستثمر أساسي''.
ويشكـّل تقييم المؤسسات العامـّة جزءاً من الصعوبة. قبل أن تعرض الشركة القابضة شركة ما للبيع، عليها إعادة هيكليتها من الناحيتين المالية والتقنية. يقول السيد دنف إن إعادة الهيكلية المالية تتطلـّب التفاوض مع المصارف لخدمة الدين والإعفاء منه. كما تستلزم في الوقت عينه وضع خطط تقاعد مبكر مع النقابات العمالية وهي الوسيلة المقبولة حالياً لخفض عدد العمـّال ولو كانت بطيئة. يقول السيد دنف: ''يمكنكم أن تتصوّروا مدى حساسية هذا الموضوع. لكننا نجحنا. في مجموعة شركاتنا، نجحنا بالإستغناء عن نحو 9500 عامل من خلال خطة التقاعد المبكر المرفقة بالمزيد من التدريب والتعويضات''.
أمـّا من الناحية التقنية، فغالباً ما تضطر الشركة القابضة الى منح رساميل وإستثمارات جديدة، ممـّا يؤثـّر على التقييم. ''من الأفضل أن نستثمر الآن. تهدف سياستنا الى الحصول على أعلى سعر للموجودات التي ننوي بيعها''.

السيطرة

أبدى المستثمرون العالميون، الذين إكتشفوا مصر في التسعينات، قلقهم بشأن إستثمارات السوق الناشئة بسبب الأزمات المتتالية منذ العام 1998. بالتالي، تتميـّز خطوات شركة الإستثمار العربية الخليجية بالتدخـّل الشخصي الفعـّال. ركـّزت هذه الشركة التي أسسها مستثمرون خليجيون عرب سنة 1985 ودفعوا رأسمالها البالغ 75 مليون دولار كاملاً اهتمامها على المشاريع الصناعية والعقارية أوّلاً.
لكن عندما تغيـّرت ملكية الشركة وإدارتها منذ 4 سنوات، إتخذت وجهة أخرى. يقول رئيس مجلس إدارة الشركة، السيد سامي كايكسو، إن التغيير حدث بسبب القناعة بأننا لا نستطيع إدارة إستثماراتنا عن بعد في الأسواق الناشئة. ''نحن مختلفون عن غيرنا من الشركات المالية الخاصة التي تعمل في مصر أو خارجها. فهي تميل الى شراء حصص صغيرة جداً في مجموعة واسعة من الشركات. بينما نحن نهدف اليوم الى السيطرة بدون أي شك. نقوم بشراء حصة كبرى لنقرّر كيف سنتصرّف بالشركة والى أين سنقودها. لا نخطـّط للمدى القصير ثمّ نحاول التخلـّص منها.
عبر التركيز على الإستثمارات المباشرة ونيل الحصة الكبرى، تعتقد الشركة أنها ستكون في موقع أفضل يتيح لها توفير عائدات مستقبلية وتحويل الشركة الى وسيلة سليمة يلجأ إليها المستثمرون العالميون المهتمـّون بمصر. يتابع السيد كايكسو: ''نريد أن نجعل الشركة منبراً للمستثمرين لا سيـّما المستثمرون الخليجيون. أظن أن مصر تفتقر الى مؤسسة جديرة بالثقة. تستطيع هذه الشركة توفير الإدارة المناسبة وتدفـّق الرساميل كما لدينا القدرة على التحليل وتقديم المشروة. وقد لاقينا النجاح في العام المنصرم بالرغم من المشاكل التي أدّت الى تراجع السوق. إننا نرى قدرات كثيرة في هذا البلد''.

Back to top