|
تراجع الأرباح بسبب الإصلاحات البنيوية سيدفع المصارف إلى توسيع نشاطاتها وتطويره
يشهد الاقتصاد التركي تراجعاً مستمراً لمعدل التضخم، لكن ما يزال عليه إجراء عدد من الإصلاحات، لا سيما في القطاع المصرفي. والواقع أن الصورة العامة لهذا القطاع ستشهد تغييرات أساسية. فالحكومة والمصرف المركزي يعملان على تحقيق استقرار نقدي عن طريق تخفيض معدل التضخم إلى نسبة مئوية مؤلفة من رقم واحد، وتطبيق قانون جديد للقطاع المصرفي، وتحسين موقع تركيا على صعيد المنافسة الدولية، واستقدام تقنيات جديدة إلى المصارف التركية. وقد عانى القطاع المصرفي التركي من صعوبات في العام 1999 بسبب الانكماش الاقتصادي، وارتفاع تكاليف التمويل، وتضاؤل السيولة المخصصة للإقراض التجاري، ولذلك تراجع النمو وتضاءلت الأرباح مقارنة بالعام 1998. وقد دفع هذا الوضع المصرفيين الأتراك إلى إيقاف مشاريعهم والتراجع عن مخططاتهم وإعادة التفكير باستراتيجياتهم العامة بالنسبة إلى السنوات المقبلة.
يتطلب الوضع الحالي، حيث يتوافر عدد أكبر من اللازم من المصارف ومستويات أقل من اللازم من الأصول المالية والخدمات المصرفية، تغييراً سريعاً. فمن المتوقع أن ينخفض عدد المصارف خلال السنوات الثلاث المقبلة، بحيث لا يبقى من المصارف الـ 75 العاملة حاليّاً (بحسب إحصائيات بداية العام 2000) سوى ما بين 30 و35. يقول السيد حسين إيميدجي، نائب رئيس مصرف "يابي كريدي" (Yapi Kredi) : "خلال سباق الماراتون المتوقع في السنوات الثلاث المقبلة، ستمسك المصارف الخمس الكبرى بأكثر من 50 في المائة من القطاع المصرفي في البلاد".
خلال الـ 15 سنة المنصرمة، تمكنت المصارف، بفضل معدل التضخم المكوّن من عددين والبالغ أحياناً 100 في المائة، من تحقيق أرباح كبيرة عبر التوظيف في سندات الخزينة. فبفضل وفرة الودائع الداخلية وسهولة الاستدانة من الأسواق العالمية، اتّكلت المصارف التركية على سندات الضمان الحكومية التي تحقق تدفقاً ربحياً مأموناً وسهلاً ومرتفعاً. لكن هذه العمليات ستصبح أقل جاذبية مع تطبيق الحكومة خطة الاستقرار النقدي التي ستمتد لثلاث سنوات والمدعومة باحتياطي مقداره أربعة بلايين دولار أميركي قدمه "صندوق النقد الدولي". لا شك أن لجم التضخم سيقلص أرباح القطاع المصرفي، لكن هذه الخطوة ستشجع المصارف على توجيه نشاطاتها إلى المجالات التقليدية كالعمل على اجتذاب الزبائن من بين الشركات التجارية والأفراد. والواقع أن هذا ما يُطلِق عليه الخبراء اسم "القطاع المصرفي الحقيقي" الذي يعتمد بشكل أقل على سندات الضمانات الحكومية وبشكل أكبر على الزبائن في القطاع الخاص ويحدّ كذلك من تكاليف العمليات المصرفية.
وتعمل الحكومة على تطبيق قانون جديد للقطاع المصرفي يعمل على مستويين. فمن ناحية، تشكّلت في أيلول الماضي (2000) "وكالة التنظيم والمراقبة المصرفيين" برئاسة زكريا تيميزيل الذي يتمتع باحترام وتقدير كبيرين. فبفضل استقلاليتها ومناعتها إزاء التدخلات السياسية، يُتَوَقّع لهذه الهيئة أن تطبق التنظيمات المصرفية بشكل أفضل وتحقق المزيد من الشفافية للموازنات. من المهمات الأولى لهذه الهيئة معالجة أوضاع ثمانية مصارف موضوعة تحت تصرفها، ويُنتَظر من الهيئة إعادة تنظيم هذه المصارف أو بيعها. وكذلك أُدخِلَت تعديلات على القانون الداخلي لـ "صندوق ضمان الودائع" الذي تأسس خلال الأزمة المصرفية التي عصفت بالبلاد في العام 1994 وهدف إلى إعادة الثقة بالقطاع المصرفي عن طريق توفير الضمانة لـ 100 في المائة من مجمل الودائع. لكن وجود الصندوق شجع بعض المصارف على القيام بمخاطرات كبيرة أو حتى ببعض الأعمال غير القانونية. فقد شاع قيام المصارف التي تكون جزءاً من شركات كبرى بإقراض مؤسسات فرعية تابعة لهذه الشركات من دون أن تقيّم أداءها. ولذلك لن يغطي الصندوق بعد الآن أكثر من 50 في المائة من الودائع، وترجو السلطات أن يحد هذا الإجراء من الممارسات غير القانونية.
من الناحية الأخرى، يُتَوَقَّع دخول مصارف دولية على الخط، فعلى الرغم من أن هذه المصارف موجودة في تركيا منذ زمن، إلاّ أن نشاطاتها بقيت محدودة إلى الآن. ومن المنتظر أن تعمل المصارف الأجنبية في مجالات العمل المصرفي المتقدم تكنولوجياً، فمن المعروف أن الأتراك يقبلون على استهلاك كل ما هو جديد، كأجهزة الصرف الآلي، وبطاقات الاعتماد، والمراكز المصرفية العاملة عبر الهاتف أو الإنترنت، وهي خدمات باتت متوفرة ويُتَوَقّع لها المزيد من التوسع بفضل الإقبال المتزايد من قبل المستهلكين.
وهكذا على المصرفيين الأتراك تقديم خدمات أفضل وأكثر تنوعاً للزبائن من مؤسسات وأفراد. ومن المجالات المصرفية التي يُتَوَقّع لها تغيير سريع خدمات البيع بالمفرّق والاستثمار المصرفي.
لكن ما هي أبرز المصارف التركية؟ هناك المصارف الحكومية، التي تراجعت حصّتها من القطاع المصرفي التركي إلى حوالي 35 في المائة فيما يخص الأصول المصرفية وما تزال تلعب دوراً رئيسياً في اقتصاد البلاد، لكن هذا الدور مرشح للتراجع بشكل كبير لصالح القطاع الخاص. فالمصارف الحكومية، وأهمها "زيرات بنك" (Ziraat Bank) و"إملاك بنك" (Emlak Bank) و"هالك بنك" (Halk Bank) و"فاكيف بنك" (Vakif Bank) ، تخضع حالياً لعملية إعادة تنظيم بهدف خصخصتها خلال السنوات الخمس المقبلة. ويُعتَبَر "فاكيف بنك" المرشح الأول للخصخصة، فقد أعلنت الحكومة عن عرض عام أساسي لبيع 20 في المائة من المصرف. والتغيير الأبرز أن هذه المصارف لن تقدّم بعد الآن معدلات فوائد أفضل من المصارف الخاصة بعد توقف الدعم الحكومي لها.
لذلك ستلعب المصارف الخاصة الدور الأبرز في المستقبل. أكبر هذه المصارف "إيش بنك"(Isbank) و"يابي كريدي" و"أك بنك" (Akbank) و"غارانتي بنك" (Garanti) ، هي مِؤسسات مصرفية لا تختلف عن نظيراتها العالمية من حيث الخدمات التي توفرها، لكن المصارف الخاصة الأخرى التي ستستمر بالعمل بعد انتهاء عملية إعادة ترتيب القطاع المصرفي ستكتفي بتقديم خدمات متخصصة.
لـ "إيش بنك" أسهم متداولة في بورصتي استنبول ولندن ويعتبر أكبر مؤسسة خاصة في تركيا من حيث رأس المال. والواقع أن هذه الأهمية تبدو جلية في المركز الرئيسي الجديد الذي افتتحه المصرف في استنبول في آب الماضي (1999). وقد بلغ عدد فروع المصرف 104 مع نهاية العام 1999، فيما تشمل خدماته كل ما يمكن أن يطلبه المستهلك التركي. يقول السيد أرسين أوزنيجي، المدير التنفيذي للمصرف: "لطالما كنا رواداً يقودون المجتمع ويثقفونه في المجال الذي نعمل فيه. وسنستمر في ذلك بمقاربة شفافة وخلاقة. لدينا أكبر عدد من أجهزة الصرف الآلي في البلاد التي لا تُستَخدم للحصول على النقود فحسب بل أيضاً للقيام بالأعمال المصرفية". والواقع أن الأتراك شديدو الاهتمام بالمنتجات المصرفية الجديدة، فقد أصبحت بطاقات الاعتماد والائتمان جزءاً من الحياة اليومية للمواطن التركي. وإضافة إلى كونه مصرفاً عالمياً بكل معنى الكلمة، يلعب "إيش بنك" دوراً استثمارياً كبيراً، فهو يوظف أموالاً في 77 شركة تتعاطى الصناعة (الزجاج والدواليب والسيارات والنسيج) والسياحة والتأمين. ويفاخر المصرف بأنه كان من أوائل المصارف التي استثمرت في قطاع الصناعات الأساسية. وقد مضى المصرف هذه السنة (2000) قدماً في سياسته هذه، ففي نيسان/أبريل رست على الاتحاد الذي أنشأه مع "تليكوم إيطاليا" (Telecom Italia) مناقصة أجرتها الدولة لتأسيس شركة ثالثة للهاتف المحمول في البلاد، وقد بلغت قيمة الرخصة 2.1 بليون دولار أميركي، مسجّلة مستوىً قياسياً في تركيا. كما رست على "إيش بنك"، بالتعاون مع "مجموعة دوان للإعلام" (Dogan Media Group) ، مناقصة للخصخصة الجزئية لـ "بواش"(POAS) ، الشبكة الحكومية لمحطات الوقود.
من بين المصارف التركية الخاصة الكبرى، يتمتع "غارانتي بنك" بأفضل التصنيفات الدولية، كما حصل على بعض أهم الجوائز على الصعيد العالمي، فقد منحته مؤسسة "يوروماني" (Euromoney) الشهيرة لقب "أفضل المصارف الأصغر في العالم"، كما أعطته مؤسسة "موديز"(Moodys) التصنيف ( C ) ، وهي أفضل مرتبة للقدرة المالية يحصل عليها مصرف في الدول الناشئة. كذلك تملك "مجموعة دوش"(Dogus Group)، وهي مجموعة تركية كبيرة تعمل في القطاع المصرفي، 68 في المائة من المصرف، ويتم تداول الجزء الباقي من المصرف في بورصتي استنبول ولندن. ويفاخر المصرف بـ "الإدارة المحترفة التي يتمتع بها"، كما يقول السيد تولغا إيغومين، نائب رئيس المصرف، الذي يضيف: "يصل معدل العمر للعاملين لدينا إلى 30، فيما يحمل 70 في المائة منهم شهادات جامعية". ويملك هذا المصرف العالمي استراتيجيات طموحة تماشي العصر، فمع الـ 180000 مستخدم للخدمات التي يوفرها عبر الإنترنت، يكون المصرف قد استحوذ على 50 في المائة من السوق التركية في هذا المضمار، كما يبلغ عدد مستخدمي الخدمات التي يوفرها عبر الهاتف إلى 230000. "نحن نوفر كثيراً على زبائننا، فـ 58 في المائة من العمليات المصرفية يجريها هؤلاء من منازلهم"، بحسب السيد إيغومين. والواقع أن "غارانتي بنك" يتميز بسرعة استشرافه للمستقبل، فقد وظف الكثير من الأموال في التقنيات الحديثة، ما يعطيه مكانة بارزة في القطاع المصرفي التركي. وبينما يوفر المصرف كل أنواع الخدمات المصرفية، يركز في السوق المحلية على خدمات البيع بالمفرق ويخطط لزيادة عدد فروعه من 230 إلى 330 خلال سنة "من دون تكلفة إضافية فيما يخص الأجور"، كما يقول السيد إيغومين. وللمصرف حضور مهم في أوروبا من خلال "مصرف غارانتي المتحد الدولي" (United Garanti Bank International، أو UGBI)، ويملك مكتباً تمثيلياً في شانغهاي، كما يطمح بتوسيع نشاطه إلى الشرق الأوسط، الذي "نعتبره سوقاً مهمة ونسعى إلى عقد شراكات مع مصارفه"، يضيف السيد إيغومين.
أصاب الركود أخيراً الأسواق المالية التركية، لا سيما بورصة استنبول التي عانت من التراجع خلال السنة الحالية (2000)، وذلك بعدما وصلت إلى مستويات عالية قياسية في كانون الثاني/يناير وحققت نمواً بمقدار 250 في المائة في العام الماضي (1999). وبعيداً عن العوامل الخارجية، كإعادة التنظيم التي عرفتها البورصات العالمية، لعبت العوامل الداخلية دوراً أساسياً في هذه الظاهرة. وللتغلب على المشكلة، اقترحت شركة "سندات الضمان العالمية" (Global Securities)، القيام بثلاثة إجراءات. فمن ناحية، على الحكومة، لكي تتجاوز بعض الأمور التي يمكن أن تزعج المراقبين المحليين أو الدوليين، أن تبرهن عن قوتها والتزامها بالتنفيذ الدقيق للإصلاحات الموعودة. ورأت الشركة أيضاً وجوب استمرار الحكومة بتقديم عروض عامة أساسية وثانوية (initial and secondary public offerings)، لا سيّما في العام 2001، للمحافظة على فائض في رؤوس الأموال المتدفقة. وأخيراً، لاحظت الشركة ارتفاع أسعار الأسهم في بورصة استنبول. ومع أن حصة المؤسسات الاستثمارية الأجنبية في هذه البورصة بلغ 55 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية و58 في المائة في تموز/يوليو من العام 2000، ما تزال ثقة هذه المؤسسات متوقفة على الإصلاحات الاقتصادية العامة التي تجريها الحكومة التركية وتعد بجعل تركيا من أهم الأسواق الناشئة في العالم.
|