تفتقر تركيا إلى الطاقة بسبب قلّة الاستثمارات والطلب المتزايد، لكنّ قطاع الطاقة التركي يوفّر فرصاً ذهبيّة للمستثمرين

تفتقر تركيا إلى مصادر الطّاقة واحتياطاتها، على الرغم من أنها تقع في منطقة غنية بمواردها. إضافة إلى ذلك، لم توظّف الحكومة ما يكفي من الأموال في هذا القطاع قبل العام 1997 فيما يتزايد الطّلب على الطاقة باستمرار. ولذلك تعاني تركيا اليوم من نقص حاد في مصادر الطاقة، لا سيّما في مجالي الغاز الطبيعي والكهرباء. وعلى عكس الدول المجاورة لها، لا تملك تركيا احتياطات جديرة بالذكر من الوقود الأحفوري (fossil fuel). ويعترف وزير الطاقة التركي، السيّد جمهور إرسومر، بأن القطاع العام في بلاده "لم يوظف أي أموال في قطاع الطاقة بين العامين 1992 و1997 على الرغم من أن الطلب على الكهرباء سجّل ارتفاعاً سنوياً بمقدار 10 في المائة". وفيما يخص الغاز، سجّل الطلب ارتفاعاً كبيراً في العام 1999، فحقّق نسبة 18 في المائة.
تستورد تركيا 64 في المائة من الطاقة التي تحتاجها من دول عديدة، ويُتَوَقّع أن ترتفع هذه النسبة إلى 72 في المائة في العام 2010 و76 في المائة في العام 2020. والواقع أن هذه النسبة قفزت إلى 81 في المائة بعدما ألغت الحكومة في تموز/يوليو 2000 مناقصة لبناء مفاعل نووي. والواقع أن لهذا الوضع تأثير كبير على اقتصاد البلاد. فمن المتوقع أن تعاني تركيا نقصاَ شديداً في مجال الطاقة، فخلال فصل الشتاء المقبل (2000-2001) ستُقنّن الكهرباء في المدن الكبرى في كافة أنحاء البلاد.


يحتاج قطاع الطاقة في تركيا 
إلى استثمارات بقيمة 
45 بليون دولار أميركي 

لذلك يبدو قطاع الطاقة بحاجة شديدة للاستثمارات، الأجنبية منها والمحلية، فهو من بين القطاعات الاقتصادية التركية الأكثر جاذبية لرجال الأعمال. "يحتاج قطاع الطاقة في تركيا إلى استثمارات بقيمة 45 بليون دولار أميركي وهو مبلغ لا يمكن تأمينه من خلال الموازنة العامة لوحدها"، يقول السيد إرسومر. والواقع أن الحكومة التركية، بعدما لاحظت ضخامة الاستثمارات اللازمة لقطاع الطاقة، عملت على تشجيع المستثمرين الأجانب على توظيف أموالهم في هذا القطاع. من أبرز الخطوات المتخذة في هذا المجال التعديل القانوني الصادر في العام 1999 والذي يسمح بإخضاع العقود المبرمة في قطاع الطاقة للتحكيم الدولي.
لا بد أن الكهرباء أكثر حقول قطاع الطاقة جاذبية. فقد ازداد الطلب باطّراد خلال العقد الأخير، حيث بلغ حجم الطلب على الكهرباء 119 بليون كيلووات-ساعة في العام 1999، ومن المُتَوَقّع لهذا الرقم أن يرتفع إلى 290 بليون كيلووات-ساعة في العام 2010 وإلى 560 بليون كيلووات-ساعة في العام 2020. ويحتاج حقل الكهرباء إلى استثمارات في مجالات التوليد والنقل والتوزيع. ويُظهِر القطاع الخاص اهتماماً متزايداً بالاستثمار في حقل الكهرباء، لا سيما عن طريق عقود "البناء والتشغيل والتسليم" (Build, Operate and Transfer، أو ما يُعرَف اختصاراً بالـ BOT). "في العامين الماضيين [1998 و1999]، بات حوالي 50 في المائة من حقل الكهرباء ملكاً للقطاع الخاص"، بحسب السيد يورداكول إيتغودين، وكيل وزارة الطاقة.
ومن المتوقع أيضاً أن تسد المحروقات المستوردة، لا سيما الغاز، الفجوة بين العرض والطلب. فشركة "بوتاش" (Botas) الحكومية تضع اللمسات الأخيرة على خطط لاستيراد الغاز من الدول المجاورة لتركيا. يقول السيد غوكان يارديم، رئيس مجلس إدارة الشركة: "لا يمكننا أن نلبّي حاجات تركيا من الغاز. فالسنة الماضية [1999]، بلغ حجم العرض 13 بليون متر مكعب، فيما وصل حجم الطلب إلى ما بين 17 و18 بليون متر مكعب، على ما أعتقد". تحتكر "بوتاش" استيراد الغاز وتوزيعه وبيعه وتحديد أسعاره. لكن هذا الوضع على وشك التغيّر، فلكي تلبّي شروط الاتحاد الأوروبي بالنسبة لتحرير سوق الغاز، ستفصل تركيا بين شراء الغاز وتوزيعه، فلا يبقى بيد الدولة سوى التوزيع. "سيُلغى احتكار الاستيراد وسيتمكن أي شخص من استيراد الغاز من أي مصدر كان وبيعه داخل تركيا حيث سيتحكم التنافس بالسوق"، كما يقول السيد يارديم. وبسبب وتيرة التشريع المعهودة في تركيا، يتطلّب تحقيق هذا الأمر ما بين عام إلى عامين. في هذه الأثناء، تعمل "بوتاش" على توقيع عقود لاستيراد المزيد من الغاز.
يُعتَبَر الاتحاد الروسي أبرز الدول المصدرة للغاز إلى تركيا (67 في المائة عبر أنابيب خاصة). "ويُتَوَقّع وصول المزيد من الغاز الروسي إلى تركيا، لا سيما في النصف الثاني من العام 2001، من ضمن مشروع نسميه "المجرى الأزرق" (Blue Stream) " ، كما يقول السيد إيتغودين. ويشمل المشروع خط أنابيب لنقل المياه الباطنية سيكون الأطول من نوعه في العالم. من ناحية ثانية، ستبدأ إيران بتوفير الغاز لتركيا عبر خط للأنابيب بدءاً بتموز من العام 2001، وسيبلغ حجم الغاز المستورد 1.4 بليون متر مكعب في السنة الأولى ليرتفع إلى 10 بليون متر مكعب في السنة بعد سبعة أعوام.
وقد توصلت تركيا إلى اتفاق مع تركمانستان يقضي بنقل 16 بليون متر مكعب من الغاز التركمانستاني إلى تركيا. من المتوقع أن يبدأ العمل بهذا الاتفاق في العام 2002، لكن بعض التأجيل قد يكون حتمياً بسبب تأخر تركمانستان في إنجاز خط الأنابيب ضمن أراضيها. ومن الدول المهتمة بتزويد تركيا بالغاز مصر التي اكتشفت احتياطات كبيرة من الغاز في أراضيها أخيراً. وقد وقّعت الدولتان مذكرة تفاهم حول الموضوع، تتضمن عدداً من الطرق المحتملة لنقل الغاز. ويبدو أن أكثر الطرق ترجيحاً ذلك الممتد على الخط الساحلي بين مصر وإسرائيل ثم ذلك الممتد بحراً في المياه الدولية إلى تركيا. وتحاول دول أخرى، مثل أذربيجان والعراق وسوريا، الحصول على حصة من سوق الغاز في تركيا.
تشير هذه التطورات إلى قدرة تركيا على تحقيق آمالها بالتحول إلى معبر استراتيجي للطاقة خلال القرن الواحد والعشرين، فالدول المجاورة لها الغنية بالغاز لا تعتبر تركيا سوقاً استهلاكية ممتازة فحسب، بل أيضاً الباب الأوسع المفضي إلى أوروبا الغربية.