يوازن بين مشاريع التنمية الاقتصادية في المناطق التركية

المشروع الذي بدأ مخططا لتوليد الكهرباء وتوفير الري في جنوبي شرقي الأناضول تطور إلى مشروع اجتماعي-اقتصادي واسع النطاق، أو كما يصفه الناس: مشروعا للتنمية البشرية المستدامة.
من المتوقع لمشروع الغاب (GAP)، البالغة كلفته 32 بليون دولار أميركي، أن يستخدم مياه المجريين الأعليين لنهري الفرات ودجلة ويزيدها إلى حدها الأقصى من خلال 22 سدا و19 معملا كهرومائيا. ومع اكتمال المشروع في العام 2010، يُتوقّع أن تصل مساحة الأراضي المروية في المنطقة إلى 20 في المائة من الأرض الصالحة للزراعة في البلاد، فيما سيبلغ حجم الطاقة المولدة 22 في المائة من الطاقة الكهرومائية التي يمكن توليدها في تركيا. أبرز معالم الجانب الكهرومائي من المشروع سد أتاتورك، الذي اكتمل في العام 1992 ويُعَدّ سادس أكبر السدود الصخرية في العالم. الهدف الأبرز للمشروع توليد الطاقة وتوفير الري. والواقع أن نتائج المشاريع الضخمة تكون بالحجم ذاته: فالإمكانات الزراعية والصناعية المترتبة على المشروع ستزيد الناتج الاقتصادي للمنطقة بمعدل 4.5 وتوفر العمل لـ 3.8 ملايين شخص. وهكذا سيكون لمشروع الغاب نتائج اقتصادية واجتماعية وبشرية في المنطقة التي يقوم فيها.
بحسب المخطط التوجيهي الأساسي لمشروع الغاب، الموضوع في العام 1989، كان من المُتَوقّع انتهاء المشاريع الممولة من الحكومة في المنطقة، بما فيها مشاريع البنية التحتية، في العام 2005. لكن مشروعا كهذا كان يستحق المراجعة. ففي ضوء المساعي الجديدة لتحرير الاقتصاد التركي، تعمل الحكومة بجد على تشجيع القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية على المشاركة "في إعادة النظر في المخطط التوجيهي الأساسي وفي تحضير "مخطط للتنمية المناطقية" جديد يهدف إلى إتمام المشروع في العام 2010"، بحسب الدكتور أولجاي أونفر، مدير مشروع الغاب.
يمثل الغاب فرصة مهمة للمستثمرين الأجانب والمحليين على السواء. فالمستثمرون في منطقة الغاب يستفيدون أولاً من منافع إضافية متأتية من حوافز الاستثمار العامة، تشمل مخصصات عقارية مجانية وإعفاءات من ضريبة الدخل لخمس سنوات. كذلك لم يقتصر المخطط التوجيهي على التوظيف في مجالي الطاقة والري بل عمل على تطوير البنية التحتية في المنطقة بشكل مثير للإعجاب، فقد بُنِيَت شبكة مواصلات جيدة، تضم سكة حديدية من ستة خطوط تربط تركيا بالعراق وسوريا ما تزال قيد الإنشاء، كما بُنِي مطار دولي. يُذكر أن مرسين، أحد أكبر مرافئ تركيا، يمكن أن تبلغه المركبات بعد أربع ساعات انطلاقا من المنطقة. من ناحية أخرى، يقوم في المنطقة قطاعان للتجارة الحرة و15 قطاعا صناعيا منظما، بيع فيها الكثير من البضائع حتى الآن. وهكذا يبدو أن إدارة الغاب قد بذلت ما بوسعها لجذب المستثمرين إلى حيث تتوافر الفرص، لا سيما في الصناعات الزراعية وصناعة الأقمشة والملابس.
يقول الدكتور أونفر بكل ثقة: "أظن أن مشروعنا الاجتماعي يمثل الجانب الأهم من المشروع الإنمائي ككل. الإنجاز الأكبر سيكون الجانب الإنساني من التنمية". فعلى سبيل المثال، تتوافر للسكان برامج التدريب على المهارات الكمبيوترية و إتقان اللغة الإنكليزية وغيرها من النشاطات. وفي ضوء التزامها بمبادئ الإنماء المتوازن، أُنشِئت مراكز اجتماعية، مثل مركز تشاتومز (CATOMs) لدعم التطور الاجتماعي والتربوي للنساء القاطنات في المنطقة، بالتعاون بين إدارة الغاب وعدد من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في العالم، من بينها عدد من مؤسسات التنمية البشرية التابعة للأمم المتحدة.
على العموم، لعب هذا المشروع دورا أساسيا في رأب الصدع في مجال الثروة الاقتصادية بين المنطقتين الغربية والشرقية في تركيا، فقد وفر لسكان المنطقة المحيطة به الأدوات اللازمة للتنمية المستدامة في المجال الاقتصادي والمجالات البشرية والتربوية والاجتماعية المرتبطة ببعضها البعض، كما يقدم فرصا ممتازة للمستثمرين.