|
على الرغم من الخلافات التاريخية، يتحتم على تركيا والشرق الأوسط العمل على تحسين علاقاتهما الاقتصادية
تمثّل تركيا إحدى الإشكاليات الأساسية في علم السياسة الجغرافية الحديث، فكثيراً ما يقال إنها تقع على مفترق طرق بين ثلاث كتل: الشرق الأوسط وأوروبا والاتحاد السوفيتي السابق، لكن من المستحيل القول إنها جزء لا يتجزأ من إحدى هذه الكتل. وبعدما وافق الاتحاد الأوروبي في هلسنكي في كانون الأول/ديسمبر 1999 على اعتبار تركيا دولة كاملة الترشيح لعضويته، عمّ جو من التفاؤل الأوساط السياسية في أنقرة والأوساط الاقتصادية في استنبول. لكن هذه الأوساط تعي تماماً حجم التحديات التي ستواجهها البلاد إثر هذه الموافقة. فما يزال الجميع يعون المخاطرة التي رافقت قرار تركيا الجريء بدخول أسواق منطقة القوقاز والدول الناطقة بالتركية خلال الأزمة الروسية في العام 1997. لكن في كل الأحوال، ما تزال هذه الأسواق تشكّل رهاناً طويل الأمد لتركيا.
على الرغم من كثرة التحديدات المتعلقة بالشرق الأوسط واختلافها، لا يمكن نسيان ذلك التعريف الذي يعتبر المنطقة جزءاً من أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة. لكن في حين لا يمكن لأي بلد في الشرق الأوسط أن يتهرّب من هذا الوصف، بإيجابياته وسلبياته، يبدو أن الدولة الوحيدة التي يمكن اليوم إبقاؤها خارج هذا الإطار هي المهد الفعلي للإمبراطورية العثمانية، أي الجمهورية التركية.
تشكّل السنوات الأخيرة للإمبراطورية العثمانية حاجزاً نفسياً، فقد تركت ندوباً عميقة في أذهان الناس من الأتراك والعرب. "لقد انقطعنا عن بعضنا بسبب التاريخ. فقد تقاتل جدي لأحد عشر سنة مع عربٍ كانوا زملاء له في الدراسة في استنبول أثناء العهد العثماني. لقد مر الزمن على ذلك لكنه ما يزال حياً بالنسبة إلى بعض الناس هنا وفي الدول العربية. لكن لحسن الحظ، لا يبدي الجيل الجديد اهتماماً بالأمر"، بحسب السيد بابور أوزدن، المدير التنفيذي لشركة "إكسير هولدنغ" (Ixir Holding) التي تعمل في عدة مجالات تتعلق بالإنترنت.
منذ 15 سنة كانت الأعمال بين الطرفين على قدم وساق، لا سيما مع ليبيا التي استقطبت 75 في المائة من النشاط الخارجي لشركات البناء التركية. وقد بدأ هذا الانفتاح بفضل سياسات الرئيس التركي تورغوت أوزال المؤيدة للتعاون الخارجي على كافة الأصعدة. فقد عمل أوزال شخصياً على تطوير علاقات بلاده مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي من خلال جولات كثيرة قام بها في هاتين المنطقتين حتى وفاته. لكن هذه النشاطات توقفت فجأة في التسعينات. وبهدف التعويض عن خسارتهم السوق العربية، سعى رجال الأعمال الأتراك إلى توسيع أعمالهم في روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة. وبعد بروز بعض الصعوبات فيها في البداية، بدأت هذه السوق تعطي مردوداً عالياً، لا سيما في مجالي البناء والاتصالات. وأخيراً لم ينتظر كثير من رجال الأعمال والشركات في تركيا والعالم العربي تحسن العلاقات السياسية للسعي إلى تطوير النشاطات الاقتصادية المتبادلة. لكن ذلك لم يحصل عرضياً بل كان نتيجة لتطور استمر سنتين وأثبت أن التعاون الاقتصادي بين الطرفين بات ممكناً من جديد، لا سيما على صعيد العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية. فقد زار وفد من رجال الأعمال السعوديين أنقرة السنة الماضية، كما نشطت المؤسسات غير الحكومية، مثل "مجلس العلاقات الخارجية الاقتصادية التركية" (DEIK)، في مجال تطوير علاقات تركيا الاقتصادية مع كثير من جيرانها الشرق أوسطيين.
لهذا التحسن ثلاثة أسباب رئيسية. فمن ناحية أُولى، يبدو مستقبل تركيا الاقتصادي والسياسي مشرقاً. فعلى الصعيد السياسي يوفر الائتلاف الحاكم بزعامة رئيس الوزراء بولنت أجاويد، الذي تبوّأ سدة الحكم بعد الانتخابات النيابية التي أُجريَت في نيسان/أبريل من العام 1999، استقراراً للبلاد أكثر من أي حكومة من الحكومات التي عرفتها تركيا خلال الخمس عشرة سنة الماضية. ولذلك منح "صندوق النقد الدولي" (International Monetary Fund) احتياطاً مالياً بمقدار أربعة بلايين دولار أميركي لمدة ثلاث سنوات، فيما تعهدت الحكومة التركية بإجراء إصلاحات بنيوية عميقة، من بينها وضع موازنة أكثر انضباطاً، وإصلاح نظام الضمان الاجتماعي، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، والإسراع في إتمام عملية الخصخصة. والتحدي الأول الذي تواجهه الحكومة أن تخفض نسبة التضخم من الرقم المزدوج العدد السائد منذ 15 سنة والذي يتجاوز المائة في المائة أحياناً. فمع نهاية العام 1999، وصلت نسبة التضخم إلى 68.8 في المائة بحسب الأسعار الاستهلاكية، لكنه تراجع إلى أقل من 40 في المائة اليوم، ما يعكس نجاح الخطة الحكومية على هذا الصعيد ويجعل الوصول بالنسبة إلى 25 في المائة مع نهاية العام 2000 أمراً ممكناً، على الرغم من أن معظم الخبراء يتوقعون وصول النسبة إلى 30 في المائة. وقد قررت الحكومة ربط الليرة التركية بسلة من العملات التي تتقلب ضمن هوامش معروفة ومنتظمة. وعلى الرغم من التسارع الكبير لعملية الخصخصة في العام 1999، يمكن للخطة الهادفة إلى جمع 7.6 بلايين دولار أميركي من العملية، بما فيها إصدار بعض التراخيص، ألا تجني أكثر من 5.9 بلايين دولار أميركي بسبب فشل الحكومة في إيجاد مهتمين بالعرض الذي ينص على بيع 20 في المائة فقط من شركة الاتصالات "تورك تِلِكوم" (Turk Telekom)، فقد أقفل هذا العرض في أيلول الماضي (1999) دون أن يتقدم له أحد (راجع المقال: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: القطاع المناسب في المكان المناسب)، لكن من المتوقع أن تعلن الحكومة قريباً عن عرض جديد لبيع نسبة أكبر من الشركة. ومن المتوقع لعملية الإصلاح المصرفي أن تعيد ترتيب القطاع في ضوء قانون المصارف الجديد (راجع المقال: العودة إلى "القطاع المصرفي الحقيقي"؟). يُذكَر أن الإصلاحات الحكومية بأسرها ما تزال تجري بحسب الجدول الزمني المقرر لها، كما أن الحكومة بقيادة رئيس الجمهورية الجديد أحمد نجدت سيزير، الذي يحظى بشعبية واحترام كبيرين، تعمل على تكريس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
من ناحية ثانية، يتعافى الاقتصاد التركي اليوم من الركود الذي عانى منه خلال السنتين الماضيتين. فقد تضرر الاقتصاد التركي بعد الأزمتين الاقتصاديتين اللتين ضربتا روسيا والشرق الأقصى في العام 1998 والزلزال الأقوى في تاريخ تركيا الذي ضرب الجزء الغربي من البلاد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1999، حاصداً عشرات الألوف من الضحايا. فإلى جانب النتائج الإنسانية المأساوية التي ترتبت عن الأزمتين والزلزال، تراجعت نسبة النمو الاقتصادي في البلاد من ثمانية في المائة في العام 1997 إلى 5.2- في العام 1999، لكن هذه النسبة عادت إلى الارتفاع لتبلغ حوالي ستة في المائة حالياً. ومع أن نشاط بورصة استنبول شهد تراجعاً في الفترة الأخيرة، يجب ألاّ يغيب عن بال المراقب أن هذه البورصة كانت أنشط بورصات العالم في العام 1999 للمرة الرابعة في تاريخها حيث حققت نمواً سنوياً بمقدار 241 في المائة. كذلك تبدي القطاعات الخمسة التي يتناولها هذا التقرير، أي القطاع المصرفي والمالي، وقطاع البناء، وقطاع السياحة، وقطاع الطاقة، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إشارات على نمو مستديم:
في قطاع المصارف، بدأت الإصلاحات البنيوية المشار إليها أعلاه تعطي نتائج إيجابية، فبعد سنوات من الاتكال الشديد على سندات الخزينة، اضطرت المصارف إلى تنويع نشاطاتها، الأمر الذي يفتح المجال أمام المنافسة البناءة. كذلك بدأت تقنيات جديدة، كالبيع بالمفرق والإيجار الإلكترونيين، بالدخول بنجاح إلى السوق، كما تشهد المؤسسات المالية الكبرى نسب نمو ثابتة فيما تبدي المصارف الأجنبية اهتماماً متزايداً بالدخول إلى السوق التركية أو توسيع نشاطاتها فيها.
كذلك عاد المقاولون الأتراك إلى السوق الشرق أوسطية التي باتت تشكل حوالي 27 في المائة من سوقهم الخارجية. يتميز هؤلاء بتخصصهم في مجال الطاقة الكهرومائية وكل أنواع البنية التحتية. ويملك المقاولون الأتراك الكبار عقوداً لتنفيذ أعمال في المنطقة الواقعة بين دبي وأيرلندا خلال السنتين المقبلتين. ويأتي بناء المنازل في المرتبة الأولى في جدول أعمال المقاولين الأتراك، يليه بناء الطرق فبناء المصانع.
من الناحية السياحية، تستقطب تركيا 10 ملايين سائح في السنة وتعمل على زيادة هذا الرقم بنسبة غير محددة من خلال تقديم خدمات كبيرة للسياح وتأمين عائدات كبيرة للمستثمرين في القطاع السياحي. وقد عرف القطاع نمواً بمقدار 17.3 في المائة خلال الـ 15 سنة الماضية و35 في المائة خلال العام 1999 لوحده. لكن بحسب وزير السياحة التركي الحالي، السيد أركان مومجو، ما يزال قطاع السياحة في تركيا غير مستغل كفاية.
ومع الازدياد الهائل للطلب على مصادر الطاقة والضعف الشديد الذي تعانيه هذه المصادر، تشكّل تركيا سوقاً مثيرة لاهتمام الدول المجاورة لها الغنية بمصادر الطاقة. لكن مشروع الغاب (GAP) للري والكهرباء، الذي يُعتَبَر مشروعاً للتنمية البشرية المستديمة قبل أي شيء آخر، سيسد جزءاً كبيراً من حاجة تركيا إلى الطاقة بفضل الـ 18 سداً التي يتألف منها.
كذلك يُعتَبَر قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في تركيا من أسرع القطاعات من نوعها نمواً في العالم بفضل شركة خدمات الهاتف المحمول "توركسِل" (Turkcell)، ثالث أكبر الشركات من نوعها في أوروبا والتي تعرض أسهمها في بورصة وول ستريت. وفيما تتسارع وتيرة الاشتراك في الهاتف المحمول ويزداد عدد المشتركين بالإنترنت بواقع 6000 مشترك تقريباً كل شهر، تصدّر تركيا بعض منتجاتها في هذا القطاع إلى أوروبا والولايات المتحدة وتتعاون مع شركات من طراز "يوروسبايس" (Eurospace) البريطانية، كما أطلقت بورصة استنبول مؤشراً تقنياً في تموز الماضي (2000) لمواكبة تطور قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
يتميز قطاع الأعمال التركي بتنظيمه وتوافر عدد من الجمعيات الناشطة ضمن نطاقه. فـ "جمعية ورجال الأعمال" (TUSIAD) تضم عدداً من أبرز اللاعبين على مسرح الأعمال في البلاد الذين يعملون على دفع الاقتصاد التركي نحو مزيد من التحرير والخصخصة. ويعمل مثل "مجلس العلاقات الخارجية الاقتصادية التركية" (DEIK) على إرشاد المستثمرين الأجانب الراغبين بالتوظيف في تركيا كما يبدي اهتماماً كبيراً بالسوق الشرق أوسطية.
من ناحية ثالثة، لم تكن العلاقات الاقتصادية العربية- التركية يوما بالقدر الحالي من التماسك. فبحسب السيد إرسين أوزينجي، المدير التنفيذي في "إيش بنك" (Isbank)، أكبر المصارف الخاصة في تركيا من ناحية رأس المال، يحتل كل من تركيا والخليج موضعاً مركزياً. فهما يتشاركان السوق نفسها، أي حوض البحر الأبيض المتوسط. فهذا البحر يعطي هذه السوق صفة خاصة. علينا الآن أن نساعد هذه السوق على استعادة قدرتها الكاملة، فهناك ما يكفي من الطلب وما يكفي من الإنتاج في هذه المنطقة". وتبدي المصارف التركية اهتماما كبيرا بتطوير علاقاتها مع الدول الخليجية، كما يقول السيد تولغا إيغومين، نائب رئيس مصرف "غارانتي" (Garanti)، أحد أكبر المصارف في البلاد. ويضيف السيد إيغومين: "لدينا علاقات ممتازة مع المصارف الخليجية، كما أننا نعتبر الشرق الأوسط إحدى الأسواق التي تملك كثيرا من الإمكانات الكامنة".
وفيما تسعى تركيا بجد للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، يرى الكثير من المحللين ورجال الأعمال أن الاتكال على سوق واحدة أضر بالمصالح التركية في السابق. فمن دون شك، تمثل السوق الخليجية سوقا مهمة لمستقبل الاقتصاد التركي، لا سيما لأنها ستوازن السوق الأوروبية. وبما أن تركيا باتت مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، بحسب قرار القمة الأوروبية التي انعقدت في هلسنكي في كانون الأول/ديسمبر 1999، وتوصلت إلى اتفاق جمركي مع الاتحاد في العام 1996، لا بد أن المستثمرين الخليجيين يجدونها سوقاً ذات إمكانات كبيرة. "يبدي المستثمرون الخليجيون تجاوباً كبيراً مع بورصة استنبول ونتوقع وصول مستثمرين خليجيين جدد إلى البورصة خلال السنة المقبلة لشراء الأسهم العادية بشكل خاص"، كما يقول السيد كان تشيفيك، رئيس قسم الأبحاث في شركة "سندات الضمان العالمية" (Global Securities)، أكبر الشركات التي تعمل في وساطة الأسهم في تركيا. ولا بد أن الاقتصاد التركي المتطور بسرعة سيسعى قريباً للوصول إلى أسواق جديدة، لا سيما الشرق الأقصى الذي تُعتَبَر دبي والبحرين أفضل الأبواب المفضية إليه.
سيكون للتعاون بين تركيا والشرق الأوسط وجهان. فمن جهة سيتعاون الطرفان في كافة المجالات المذكورة أعلاه كما سيستخدم كل طرف الآخر معبراً لأسواق طالما رغب فيها، وهي الشرق الأقصى بالنسبة لتركيا وأوروبا بالنسبة لدول الخليج. ويشير هذا التقرير إلى أن الأوضاع الحالية ليست واعدة فحسب بالنسبة للمستثمرين بل أنها قاب قوسين من أن تستقطب أعداداً متزايدة منهم.
|